الصحافة وترند المنصات.. كيف نخرج من السباق الخاطئ بالهرم الصحفي الرقمي المقلوب؟
يقال إن معظم النيران تندلع من مستصغر الشرر.. فماذا إذا كانت أغلب مشاكل الصحافة تتمثل في أنها تتسابق في الاتجاه الخطأ؟ تركض كثيرًا، لكن في السباق الخطأ، تسابق المنصات بمنطق المنصات فتخسر قيمة الصحافة.
وفي زمن أصبحت فيه الخوارزميات تتحكم بدرجة متزايدة في توزيع الانتباه، تواجه الصحافة سؤالًا أكثر عمقًا من مجرد كيفية الوصول إلى الجمهور: هل يمكن أن تكسب معركة الوصول وتبني ثقة وولاء الجمهور في الوقت نفسه؟
معركتا الوصول والقيمة الفخ الأكبر.. الاحتراق للوصول وفقدان القيمة
تكشف الإحصاءات حجم التحول والانقلاب في عصر ما بعد المواقع: المنصات كسبت معركة الوصول، لكنها عجزت عن المثل في معركة الثقة. فبحسب تقرير مؤسسة رويترز للأخبار الرقمية لعام 2026، أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي والفيديو الطريقة الأكثر استخدامًا للوصول إلى الأخبار عبر الإنترنت، بنسبة 54%، مقابل 51% للمواقع والتطبيقات الإخبارية.
كما أصبحت وسائل التواصل والفيديو المصدر الرئيسي للأخبار لدى نسبة متزايدة من الجمهور، خصوصًا بين الشباب.
لكن المفارقة تظهر عندما ننتقل من الوصول إلى الثقة، فالثقة العامة في الأخبار تبلغ 37%، بينما تتقلص الثقة في الأخبار الواردة من المنصات لـ22%، في وقت يعرب فيه 62% من الجمهور عن قلقه بشأن الأخبار الكاذبة أو المضللة.
المنصات إذن تكسب معركة الوصول، لكنها لا تكسب بالضرورة معركة الثقة. وهذه هي الميزة التنافسية التي يجب على الصحافة أن تدركها.
فالمشكلة ليست في وجود الصحافة على المنصات أو تعاطيها مع الترند، بل في تحول المنصة من وسيلة للوصول للجمهور إلى معيار لتحديد ما يستحق أن تنتجه الصحافة.
فالترند يقيس الانتباه، بينما تقيس الصحافة القيمة.
وقد يكون الخبر الأكثر تداولًا هو الأكثر إثارة، لكنه ليس بالضرورة الأكثر أهمية. وقد تتصدر قصة عابرة قوائم الترند، بينما تمر تحقيقات أو تقارير خدمية تمس حياة الناس مباشرة دون أن تحصل على القدر نفسه من الاهتمام.
وهنا تكمن المفارقة، فكلما قلدت الصحافة المنصات، اقتربت منها في الشكل، وابتعدت عن وظيفتها الحقيقية التي تمنحها ميزتها التنافسية.
الولاء والترند
هناك فرق جوهري بين أن تمنح الجمهور ما يريد مشاهدته، وأن تمنحه ما يحتاج إلى معرفته. فالولاء للجمهور لا يعني مطاردته بالمحتوى الأكثر إثارة، ولا إرضاءه في كل ما يريد؛ بل الدفاع عن مصالحه، وتقديم ما يساعده على الفهم واتخاذ القرار وحماية حقوقه وتحسين حياته، حتى عندما لا يكون هذا المحتوى قابلًا للتحول إلى ترند.
فالجمهور قد يتوقف لحظة أمام فيديو سريع، لكنه يحتاج طوال الوقت إلى صحافة تساعده على فهم ما يمس حياته وقراراته، من الأسعار والمعيشة والصحة والتعليم، إلى القرارات الحكومية والانتخابات والفساد والمخاطر المحيطة به.
وتكشف بيانات مؤسسة رويترز قيمة هذا النوع من الصحافة؛ إذ يبحث 49% من الجمهور عن الأخبار المحلية العامة، و38% عن الأنشطة والثقافة المحلية، و37% عن المعلومات والخدمات المحلية، و32% عن السياسة والحكومة المحلية.
وفي استطلاع لمركز بيو للأبحاث في الولايات المتحدة، قال 85% من البالغين إن المؤسسات الإخبارية المحلية مهمة، بدرجة ما على الأقل، لرفاه مجتمعاتهم المحلية، فيما رأى 71% أن المؤسسات المحلية تؤدي أداءً جيدًا في تقديم الأخبار الدقيقة، و68% في تغطية القصص المهمة.
وكل هذه الاحتياجات لا يمكن اختزالها في سباق يومي على الترند. لكن هذه الأرقام لا تعني أيضًا أن الصحافة يجب أن تدير ظهرها للترند. على العكس، عليها أن تفهمه وتستفيد من أدواته.
لكنها تعني أن الوصول ليس القيمة الوحيدة التي يمكن أن تنافس عليها الصحافة. والمطلوب هو إعادة ترتيب الأولويات:
الحقيقة أولًا، ثم الفهم، ثم المنفعة، ثم التأثير، ثم الثقة، ثم الولاء. وبعد ذلك يأتي الوصول.
فالترند يمكن أن يكون وسيلة ممتازة للوصول إلى الجمهور، لكنه لا ينبغي أن يصبح البوصلة التي تحدد اتجاه الصحافة.
الهرم المقلوب للصحافة الرقمية
يمكن ترجمة "إعادة ترتيب الأولويات" عبر نموذج إنتاج يوظف الترند ويطور العمل عليه بشكل صحفي حقيقي، ويدمج بين الترند وصحافة السياق والمعنى وصحافة الخدمة والرقابة المجتمعية والمرجعية.
ويشبه هذا النموذج قالب الهرم المقلوب للصحافة، غير أنه ليس قالبًا تحريريًا، لكنه قالب إنتاجي تشغيلي. ويقوم هذا النموذج على توزيع استرشادي للموارد والإنتاج التحريري بما يضمن وضع الخبر العاجل أو المحتوى القصير داخل منظومة إنتاج أوسع:
قمة الهرم – نحو 20-30%: صحافة السرعة والوصول
الأخبار العاجلة، والفيديوهات القصيرة، والعناوين المصممة للوصول السريع والتفاعل على المنصات. وهي المنطقة التي تتحرك فيها الصحافة وفق إيقاع اللحظة، وتستفيد فيها من سرعة المنصات وأدواتها.
الطبقة الوسطى – نحو 40-55%: صحافة السياق والفهم
التقارير والتحليلات والمقابلات والقصص الإنسانية التي تمنح الأخبار سياقها، وتشرح ما وراء الحدث، وتساعد الجمهور على فهمه وربطه بحياته وقراراته.
قاعدة الهرم – نحو 25-30%: صحافة التحقيق والخدمة والمرجعية
التحقيقات والملفات الاستقصائية والتغطيات الخدمية والموضوعات طويلة الأمد؛ وهي المواد التي لا تنتهي قيمتها بانتهاء الترند، وتؤدي إلى تراكم المعرفة والثقة، وتمنح المؤسسة شخصيتها وذاكرتها.
هذه النسب ليست قاعدة مهنية ثابتة، وإنما نموذج تشغيلي مقترح يمكن تعديله وفق طبيعة المؤسسة وجمهورها ومواردها. كما يمكن تعديل النسب وفق ظروف المؤسسة وقدراتها للتغلب على عقبة الموارد.
مصفوفة القرار التحريري (من مطاردة المنصات لتوظيفها)
لتحويل هذا التوزيع من أرقام إلى ممارسة تحريرية، تحتاج غرفة الأخبار إلى مصفوفة قرار تحدد ماذا تفعل بالحدث بعد ظهوره، وكيف ترفع قيمته الصحفية بدل الاكتفاء بنقله، عبر 3 أسئلة:
أولًا: سؤال السرعة والوصول
هل يحتاج الجمهور إلى معرفة هذا الآن؟ وهل يملك الحدث قيمة خبرية تستدعي التغطية السريعة؟
إذا كانت الإجابة نعم، يدخل الحدث مسار التغطية السريعة، مع إنتاج مختصر وموثوق قابل للتوزيع على المنصات، دون استنزاف موارد غرفة الأخبار في تضخيم قصة عابرة.
ثانيًا: سؤال السياق والفهم
ماذا وراء هذا الخبر؟ ولماذا حدث؟ وكيف يمس حياة القارئ أو قراراته؟
هنا يتحول الحدث من مجرد خبر إلى تقرير تفسيري أو مادة شارحة تمنح الجمهور ما لا يستطيع المنشور القصير أن يمنحه.
ثالثًا: سؤال الخدمة والاستقصاء
هل يكشف هذا الحدث مشكلة متكررة أو خللًا هيكليًا؟ وهل يحتاج الجمهور إلى معرفة أوسع أو خدمة عملية أو مساءلة للجهات المسؤولة؟
إذا كانت الإجابة نعم، ينتقل الموضوع إلى مسار الملف الخدمي أو التحقيق أو التغطية طويلة الأمد.
ولا ينبغي النظر إلى المستويات الثلاثة باعتبارها صناديق منفصلة. فقد يبدأ الحدث بخبر سريع في قمة الهرم، ثم يتحول إلى مادة تفسيرية في الطبقة الوسطى، ثم يكشف عن مشكلة تستحق ملفًا خدميًا أو تحقيقًا في القاعدة.
خبر – فـ سياق- فـ خدمة/تحقيق- فـ مرجعية.
وهكذا لا يعود السؤال داخل غرفة الأخبار: "هل الخبر ترند؟" بل يصبح: "ما القيمة الصحفية التي يمكن أن نبنيها حول هذا الحدث، وإلى أي مستوى يمكن أن نطوره؟"
فقد يبدأ الحدث بترند، لكن قيمة الصحافة لا تتوقف عند الترند؛ بل تبدأ من اللحظة التي تستطيع فيها المؤسسة أن تضيف إليه ما لا توفره المنصة: التحقق، والسياق، والتفسير، والخدمة، والمساءلة، والمعرفة المتراكمة.
وهذا هو الفارق بين غرفة أخبار تطارد المنصات، وغرفة أخبار توظف المنصات.
كيف يعزز الهرم الرقمي المقلوب النموذج الربحي؟
لا يعالج هرم الصحافة الرقمية المقلوب ومصفوفة القرار التحريري المترجمة له، الأزمة التحريرية في عصر ما بعد المواقع والبحث القائم على الذكاء الاصطناعي وإجابات Zero-Click فقط، لكنه يعزز النموذج الربحي التكيفي الجديد الآخذ في التشكل للصحافة (نموذج الأجنحة الستة). وذلك عبر الاستثمار في المحتوى المعمق والفريد.
اقرأ أيضًا:
نهاية النموذج الربحي المقلوب.. كيف تعيد الصحافة بناء اقتصادها بنموذج الـ6 أجنحة؟
فالاعتماد المفرط على المحتوى السريع والمتشابه هو استثمار في محتوى يسهل تلخيصه وإعادة إنتاجه، بينما تزداد قيمة ما تضيفه المؤسسة من معرفة أصلية، وتحقيقات، وسياق، وبيانات، وخدمات يصعب استبدالها.
وهنا يصبح الاستثمار التحريري في الولاء أصلًا اقتصاديًا، وليس مجرد قيمة مهنية. فالجمهور لا يدفع فقط مقابل المزيد من الأخبار، بل تكون فرص الدفع أكبر عندما تقدم المؤسسة معرفة أصلية وتحقيقات وخدمات وتحليلًا وتجربة يصعب الحصول عليها في مكان آخر.
اقرأ أيضًا:
رأس المال الجديد.. كيف تستعيد الصحافة ولاء الجمهور؟
والمنصات تستطيع أن تمنح المؤسسة ملايين المشاهدات، لكنها لا تضمن أن تتحول هذه المشاهدات إلى علاقة مباشرة معها. أما المؤسسة التي تجعل الجمهور يعود إليها فهي تبني أصلًا يمكن أن تتعدد مصادر الإيرادات حوله. وما ينقص الجمهور ليس نسخة أخرى من المنصة، وإنما مؤسسة تستطيع أن تقول: هذا ما حدث، وهذه هي الحقيقة التي تحققنا منها، وهذا ما يعنيه لك، وهذا ما يجب أن تعرفه قبل أن تتخذ موقفًا أو قرارًا.
وهذه هي المسافة التي يجب أن تحافظ عليها الصحافة: أن تستخدم الترند، لا أن يستهلكها؛ وأن تصل إلى الجمهور لا أن تجعل الوصول غايتها الوحيدة؛ وأن تستمع إلى ما يلفت انتباه الناس، لكنها تبحث أيضًا عما يمس مصالحهم الحقيقية.
وهنا تلتقي المعادلتان:
خبر – فـ سياق – فـ خدمة/تحقيق – فـ مرجعية.
ثم:
الوصول - الاستخدام - الثقة - الولاء - ثم الإيراد.
الأولى تبني القيمة الصحفية، والثانية تحول القيمة إلى علاقة مستدامة مع الجمهور. فالمنصة تمنحك الوصول، والصحافة تمنحه المعنى. والمنصات تتنافس على انتباه الجمهور، بينما يجب أن تتنافس الصحافة على ثقته. والترند قد يمنحك الوصول، لكن الثقة وحدها هي التي تمنحك الجمهور.
اقرأ أيضًا:
ما بعد المنصات.. كيف سيبتلع وكيل الذكاء الاصطناعي الصحافة ويسرق الجمهور؟
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع