من يملك شاطئ البحر؟
من يملك شاطئ البحر بطول الساحل الشمالي؟ هل هو المطور العقاري ورجال الأعمال وملاك الوحدات الفاخرة، أم أن البحر والشاطئ حق أصيل لكل مواطن مصري؟
سؤال لم يعد مجرد رفاهية فكرية أو مساجلة قانونية على صفحات التواصل الاجتماعي، بل تحول إلى قضية رأي عام ومسألة شائكة فجرتها الممارسات الميدانية لإحدى أشهر القرى السياحية في منطقة سيدي عبد الرحمن.
تلك القرية التي احتلت واجهة الأزمة مؤخرًا أزاحت الستار عن واقع مرير تعيشه أغلب القرى المصيفية الممتدة على طول الشريط الساحلي للبحر المتوسط.. هذا الواقع يتلخص في: "نص دستوري صريح يمنح المواطن الحق، وواقع عملي يحرمه حتى من مجرد رؤية الممتلكات العامة."
من الناحية القانونية والدستورية المجردة، يحسم التشريع المصري الأزمة بلا ذرة غموض.
تنص المادة (45) من الدستور المصري صراحة على التزام الدولة بحماية بحارها وشواطئها، وتؤكد أن "حق كل مواطن في التمتع بها مكفول". كما يُصنف القانون المدني وقانون الموارد المائية والري الشواطئ وحرم البحر ضمن الأموال العامة المملوكة للدولة والتي تُخصص للمنفعة العامة التي لا يجوز بيعها أو تملكها أو حجبها.
وفقًا لهذه النصوص، لا يملك أي مطور عقاري – مهما بلغت استثماراته بمليارات الجنيهات – قطرة ماء واحدة في البحر، ولا حبة رمل واحدة على خط الشاطئ. الشراء يمنحه ملكية أراضي البناء والخدمات الداخلية، لكن الساحل يظل ملكية عامة مجردة لكل المصريين.
وهنا تمامًا تكمن المعضلة الكبرى؛ تلك الفجوة الحادة بين "نص القانون" و"أقفال البوابات".
فالمواطن يملك الشاطئ دستوريًا وله الحق المطلق في السير والسباحة والتمتع بحرم البحر، لكنه يواجه أمن القرية الخاص الذي يمنعه من عبور البوابة لأن الطرق الداخلية ملكية خاصة بالشركة المطورة.
وفي ظل غياب التخطيط الذي يُلزم المطورين بتوفير "ممرات ونوافذ نفاذ عامة" تتصل بالطريق الرئيسي، أصبحت القرى متلاصقة لعدة كيلومترات، مما خلق حصارًا جغرافيًا كاملًا يحرم المواطن من الوصول إلى ما يملكه قانونًا.
لا يستطيع المواطن عبور أسوار القرية لأنها ملكية خاصة، ولا يجد ممرًا عامًا يسلكه ليصل للساحل، ليتحول الحق الدستوري إلى نصوص مكتوبة وليست واقعًا مُعاشًا.
إن حل هذه المعضلة لا يتطلب صياغة قوانين جديدة، بل يستلزم إرادة تنفيذية لتطبيق الدستور والقانون القائم، يبدأ ذلك بإلزام القرى الاستثمارية باقتطاع ممرات ونوافذ نفاذ شاطئية عامة مؤمنة تصل بين الطريق الساحلي والبحر مباشرة، والتعامل بحزم مع أي محاولة لإغلاق الشواطئ أو خصخصتها.
إن شاطئ البحر المتوسط ليس ملكًا لفئة دون غيرها، والساحل الشمالي ليس مقاطعات خاصة تُسلب فيها الملكية العامة باسم الاستثمار.
إن استمرار هذه الفجوة بين النص الدستوري والواقع الميداني يضر بمفهوم سيادة القانون، والحل الوحيد هو فتح الممرات العامة ليعود البحر إلى أصحابه الحقيقيين.. كل الشعب المصري.
ولم تكن هذه الأزمة بمعزل عن صانع القرار؛ إذ جاءت التوجيهات الرئاسية الأخيرة الحاسمة الصادرة من مدينة العلمين لتضع حدًا لهذا التغول الاستثماري، بعدما وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي بالتشكيل الفوري للجنة من أجهزة الدولة المعنية لضمان حرية نفاذ المواطنين إلى الشواطئ والتأكد من تطبيق القوانين بمنع حجب السواحل أو التعدي على حرم البحر.
توجيهات تؤكد أن الشواطئ ملكية عامة لكل المصريين، وأن الاستثمار لا يعني بحال من الأحوال سلب المواطن حقه الدستوري في التمتع ببحار أرضه.
وأخيرًا.. هناك فارق كبير بين تنظيم الحق... والحرمان منه.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع