"بيع الهواء".. إعلام "السداح مداح"
هناك فرق بين أن يكون للإعلام اقتصاد، وبين أن يتحول الإعلام نفسه إلى سوق، وبين السوق والإعلام تضيع الحدود عندما يصبح الهواء سلعة، والساعة التلفزيونية بضاعة، والميكروفون منفذًا لمن يدفع.
فالقنوات مؤسسات تحتاج إلى موارد، والإعلان والاستثمار والرعاية أدوات مشروعة لبقاء أي مؤسسة إعلامية، لكن الخطر يبدأ عندما ينقلب الترتيب الطبيعي للأشياء، عندما لا يعود المال وسيلة لتمويل الرسالة الإعلامية، وإنما تصبح الرسالة نفسها وسيلة
لتحصيل المال، وعندما يصبح السؤال الأول قبل الضيف والمحتوى والمذيع: كم سيدفع؟
هنا تحديدًا تظهر ظاهرة “بيع الهواء” في صورتها الأكثر إزعاجًا، وهنا يمكن أن نستعير تعبير أحمد بهاء الدين الشهير عن الانفتاح الاقتصادي، “السداح مداح”، لوصف حالة إعلامية لا ينبغي أن تكون كذلك.
لم يكن بهاء الدين يعترض على فكرة الانفتاح في ذاتها، وإنما كان يحذر من انفتاح بلا ضوابط، من سوق تتحول فيها الحرية إلى انفلات، ومن اقتصاد يفقد بوصلته حين يغيب التنظيم.
واليوم يبدو التعبير صالحًا، على سبيل الاستعارة، لوصف “بيع الهواء” عندما يتحول من ترتيب تجاري منضبط إلى سوق مفتوحة للظهور، يدخل إليها من يملك المال، ويخرج منها إلى الجمهور ما يسمح به ثمن الساعة.
فالمشكلة ليست في أن قناة تؤجر وقتًا من البث وفق ضوابط واضحة، وإنما فيما قد ينشأ حول هذه الممارسة من اقتصاد موازٍ، يستأجر فيه شخص أو جهة ساعات من البث، ثم يعيد بيع دقائقها لضيوف يريدون الترويج لأنفسهم، فيتحول البرنامج إلى سوق صغيرة، والمذيع إلى وسيط، والضيف إلى زبون، والشاشة إلى واجهة تجارية، بينما يبقى المشاهد هو الطرف الوحيد الذي لا يرى الفاتورة ولا يعرف حقيقة الصفقة.
وهنا تبدأ المشكلة الأخطر، لأن الشاشة ليست مجرد مساحة زمنية.
الشاشة تمنح الظهور قيمة معنوية، وتمنح صاحبه قدرًا من المصداقية أمام الجمهور.
المواطن لا يرى عقد الإيجار، ولا يعرف من دفع لمن، ولا يعرف هل الطبيب الذي يجلس أمامه جاء لأنه صاحب خبرة تستحق أن يسمعها الناس، أم لأنه اشترى فقرة، ولا يعرف هل المحامي يتحدث باعتباره متخصصًا أم باعتباره صاحب خدمة يروّج لنفسه، ولا يعرف هل مقدم البرنامج اختير لأنه مؤهل مهنيًا أم لأنه استطاع شراء وقت البث.
المشاهد يرى الاستوديو، وشعار القناة، والكاميرا، والميكروفون، فيفترض أن وراء هذه الصورة مؤسسة إعلامية اختارت ودققت وراجعت وقررت أن هذا الشخص يستحق أن يكون أمام الناس.
وهنا تصبح المسألة مسألة ثقة، لأن الشاشة لا تبيع دقائق فقط، وإنما قد تمنح صاحبها شرعية إعلامية لا يحصل عليها بالضرورة من مؤهلاته.
وهنا لا بد من السؤال الصريح: هل أصبح المال مؤهلًا مهنيًا؟
هل يستطيع الإنسان أن يشتري لنفسه صفة الإعلامي؟ هل يكفي أن يدفع حتى يصبح من حقه مخاطبة ملايين البشر؟
وهل مجرد امتلاك عيادة أو مكتب أو شركة يجعل صاحبها خبيرًا إعلاميًا؟ وهل مجرد الرغبة في الشهرة تجعل من صاحبها مذيعًا؟
الإجابة يجب أن تكون قاطعة: لا.
الإعلام مهنة، والمهنة ليست كاميرا وميكروفونًا وكرسيًا أمام خلفية مضاءة. الإعلام معرفة ولغة وثقافة ومسؤولية وقدرة على إدارة الحوار وفهم الجمهور والتحقق من المعلومات.
والمذيع ليس ديكورًا يتحرك أمام العدسة، والمذيعة ليست مجرد حضور بصري، والقبول أمام الكاميرا ليس شهادة صلاحية لممارسة المهنة.
ولهذا فإن إعادة تأهيل بعض المذيعين والمذيعات الذين يقدمون برامج شراء الهواء يجب أن تصبح جزءًا من عملية الإصلاح، لا موضوعًا يمكن تأجيله.
ولا عيب في إعادة التدريب، فالطبيب يتدرب، والطيار يخضع لاختبارات، والصحفي يتدرج في المهنة، وكل عمل يحترم نفسه يضع شروطًا للكفاءة. فلماذا يصبح المشاهد هو لجنة الاختبار التي تكتشف على الهواء
أخطاء اللغة والنطق ومخارج الألفاظ ونبرة الصوت؟
يجب أن يخضع مقدمو هذه البرامج لتقييم مهني حقيقي، وأن يعاد تدريب من يحتاج إلى التدريب على اللغة العربية، ومخارج الألفاظ، وسلامة النطق، ونبرة الصوت، وإدارة الحوار، وإعداد الأسئلة، وفن الاستماع، والتمييز بين الإعلان والمعلومة.
فليس مقبولًا أن تتحول الشاشة إلى مدرسة مفتوحة لتعليم أبجديات المهنة، بينما يدفع الجمهور من وقته وثقته ثمن هذه التجربة.
وهنا تأتي مسؤولية نقابة الإعلاميين، باعتبارها الجهة المهنية المعنية بضبط ممارسة الإعلاميين للمهنة.
لا ينبغي أن يتوقف دورها عند الإجراءات الشكلية، وإنما يجب أن تكون شريكًا أساسيًا في تقييم مذيعي برامج “بيع الهواء”، وإعادة تأهيل من يحتاج إلى التأهيل، ووضع معايير واضحة للغة والأداء والصوت وإدارة الحوار وأخلاقيات العمل الإعلامي. ومن لا يستوفي المعايير، فليخضع للتدريب حتى يستوفيها، فالمهنة لا تدار بمنطق المجاملة.
لكن المسؤولية لا تقع على المذيع وحده، لأن وراء كل برنامج فريق إعداد، ومن يختار الضيف، ويجمع المعلومات، ويكتب الأسئلة، ويراجع المادة، ويقرر ما يصل إلى المشاهد، شريك في المسؤولية.
ولذلك يجب أن يشمل التقييم فريق الإعداد، لا أن نقف عند وجه المذيع أمام الكاميرا. فالبرنامج منظومة، وإذا فسدت المنظومة فلن تنقذها جودة المقدم ولا أناقة الاستوديو.
وهنا يأتي دور المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بوصفه الجهة المعنية بتنظيم المشهد الإعلامي وضبط أداء المؤسسات والوسائل الإعلامية.
لا يكفي أن يتحرك المجلس بعد وقوع مخالفة صارخة أو بعد أن يتحول برنامج إلى أزمة رأي عام، وإنما المطلوب رقابة أكثر استباقية على برامج شراء الهواء، والتأكد من التزامها بالضوابط المهنية، ومراجعة طبيعة المحتوى، وآليات الإعلان داخل البرامج، وطريقة اختيار الضيوف، ومدى احترام حق الجمهور في الحصول على محتوى مهني وموثوق.
وقد سبق للمجلس أن تعامل مع مخالفات مرتبطة ببرامج مباعة وبممارسات إعلامية تجاوزت القواعد المهنية، وهو ما يعني أن الظاهرة ليست مجهولة ولا جديدة.
لكن استمرارها بصور مختلفة يعني أن المواجهة تحتاج إلى منظومة أكثر استمرارية وحسمًا، لا إلى قرارات تظهر عند الأزمات ثم يهدأ الملف بعدها.
ومن هنا تأتي المطالبة بوقف برامج “شراء الهواء” مؤقتًا لحين تقييمها تقييمًا شاملًا، تقييم القناة، والبرنامج، والمذيع، والمذيعة، وفريق الإعداد، والمحتوى، وآلية اختيار الضيوف، وطريقة تقديم الإعلانات داخل الحلقة.
وليس المقصود إعدام هذه البرامج، وإنما إعادة وضعها في مكانها الصحيح، فإذا كانت برامج إعلامية فلتلتزم بقواعد الإعلام، وإذا كانت برامج إعلانية فلتقدم نفسها للمشاهد باعتبارها كذلك، حتى لا تختلط الحقيقة بالدعاية.
والأمر لا يتوقف عند حدود المهنية، لأن الإعلام أمن قومي.
هذه ليست عبارة للمبالغة، وإنما حقيقة فرضها العصر الذي أصبحت فيه المعلومة قوة، وأصبح تشكيل الوعي جزءًا من معركة الدولة والمجتمع.
الأمن القومي ليس حدودًا ومنشآت فقط، وإنما هو أيضًا عقل المواطن ووعيه وقدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الخبر والإعلان، وبين الخبير الحقيقي ومن اشترى لنفسه صورة الخبير.
ولذلك لا يجوز أن يكون الإعلام “سداح مداح” بالمعنى الذي حذر منه أحمد بهاء الدين في سياق الانفتاح الاقتصادي، أي أن تتحول مساحة الحرية والحركة إلى انفلات بلا ضابط.
فالإعلام أيضًا يحتاج إلى انفتاح منضبط، وإلى سوق منظم، وإلى قواعد تحمي المهنة من أن تبتلعها التجارة.
لسنا ضد أن تربح القنوات، ولسنا ضد الإعلان، ولسنا ضد الاستثمار، لكن هناك فرقًا بين أن يمول المال الإعلام، وبين أن يشتري المال الإعلام. الفرق بين الاثنين هو الفرق بين اقتصاد يخدم المهنة، وسوق تبتلع المهنة.
الإعلان يمكن أن يمول البرنامج، لكنه لا ينبغي أن يتنكر في هيئة برنامج. والاستثمار يمكن أن يحمي المؤسسة، لكنه لا ينبغي أن يشتري الميكروفون.
والمال يمكن أن يشتري مساحة إعلانية، لكنه لا ينبغي أن يشتري صفة الإعلامي ولا ثقة الجمهور.
لقد عرفت مصر إعلامًا كانت قيمة المذيع فيه في ثقافته، وقيمة الصحفي في عقله، وقيمة البرنامج في فكرته، وقيمة الشاشة في ثقة الناس بها. كانت الكلمة مسؤولية، والميكروفون أمانة، والظهور أمام الجمهور نتيجة لكفاءة، لا مجرد نتيجة لامتلاك ثمن الساعة.
أما أن يصبح الهواء “سداح مداح”، والشاشة لمن يدفع، والمذيع بالتجربة، والضيف بالدفع، والظهور بالفاتورة، وفريق الإعداد بلا تقييم، ثم نطلب من المواطن أن يثق فيما يرى ويسمع، فهنا لا نكون قد بعنا الهواء فقط، وإنما نكون قد بدأنا في بيع الثقة.
والثقة إذا ضاعت لا تعود بقرار إداري، ولا بديكور جديد، ولا ببرنامج جديد.
إنقاذ الإعلام من “السداح مداح” لا يعني محاربة الاستثمار، وإنما يعني إعادة ترتيب العلاقة بين المال والمهنة، بحيث يكون المال خادمًا للإعلام لا سيدًا عليه، وتكون الشاشة منبرًا للكفاءة لا سوقًا للظهور، ويكون الميكروفون لمن يستطيع أن يحمل مسؤولية الكلمة، لا لمن يستطيع أن يدفع ثمن الساعة.
فالإعلام ليس مجرد وقت يباع، وإنما وعي يصنع.
والهواء قد يكون بلا ثمن، لكن الكلمة لها ثمن، والثقة لها ثمن، ووعي الناس ليس سلعة في سوق “السداح مداح”.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع