سلامًا على روح شقيانين "طريق الدواويس"
لم تكن شمس الإسماعيلية لتشرق يومها حاملة سوى الاعتياد، اعتياد الكفاح ومرارة السعي وبساطة الأماني. أناس استقبلوا الصباح بخطوات متسارعة وأرواح تملؤها الطموحات البريئة لتأمين قوت يومهم، غير آبهين بقسوة الطرق ولا بتقلبات الزمان، لكن وصلة "الدواويس" بمركز القصاصين كانت تخبئ في طياتها سيناريو مرعبًا، ليتحول طريق السعي وراء الرزق إلى مسرح لفاجعة إنسانية هزت وجدان الوطن.
تصادم خلالها حادث مروع بين سيارات تقل عمالًا، أزهق أرواح العشرات وأصاب آخرين، ليتصدر مشهد الألم وتتوشح البيوت، لا سيما في القرى المجاورة كأبو حماد وغيرها، بالسواد، ولم تكن الأرقام مجرد إحصائيات تحدث في نشرات الأخبار، بل كانت عائلات بأكملها تمحى معالمها، وأحلام أطفال وئدت في مهدها، ووجوه أنهكها الشقاء ولم تظفر بالراحة قط.
تكمن قسوة الحوادث التي تضرب العمالة اليومية في تفاصيلها الموجعة، والأدهى أن سيارات النقل تفتقر لأدنى معايير الأمان والسلامة، يتكدس العمال عليها، بينهم أطفال صغار لم يبلغوا الحلم بعد، أجبرتهم ظروف المعيشة على ركوب أخطار الموت السريع ويصارعون الزمن وقسوة الحياة.
فعلى طريق الدواويس، وقع المحتوم، وصراخ مباغت، واصطدام عنيف، وتناثر لأجساد أنهكها التعب قبل أن تطالها يد القدر. مشاهد الفجيعة أمام مستشفيات القصاصين والمجمع الطبي تعجز الكلمات عن وصفها: أمهات ثكالى تصرخ لقطيعة أبدية مع أبنائهن، وآباء يهرولون بين أسرة المستشفيات بحثًا عن ملامح مألوفة وسط زحام المصابين والضحايا، وأطفال غادروا بيوتهم بحثًا عن دراهم معدودة تساعد أسرهم البسيطة، فعادوا إلى ديارهم محمولين على أعناق الأكفان، ولم يتبق من آثارهم سوى حقائب بالية وأحذية متناثرة على الإسفلت تنطق بحجم المعاناة.
فدماء "شهداء لقمة العيش" التي سالت على إسفلت الإسماعيلية تضع المجتمع بأسره أمام مسؤولية إنسانية وأخلاقية لا تقبل التكاسل، وتعيد طرح الأسئلة المؤلمة حول منظومة نقل عمال البناء والزراعة، فإلى متى ستظل سيارات النقل المكشوفة هي الوسيلة المتاحة لتنقل هؤلاء البسطاء؟ وإلى متى يظل غول الطرق ومخاطر الإهمال يتربص بمن يكدحون بصمت شريف؟
ومن هنا لا بد من حماية حقوق العمالة غير المنتظمة، وتوفير وسائل نقل آدمية ومراقبة صارمة لالتزام وسائل النقل بمعايير الأمان، لم تعد مجرد "رفاهية" إدارية، بل هي قضية أمن إنساني واجتماعي تتطلب حزمًا تشريعيًا وتنفيذيًا، ولعلنا نشاهد حراكًا من النواب لحماية أهالي دوائر من الباحثين عن لقمة العيش.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع