داستين هوفمان ينثر مزيدًا من الألق والبهجة على كارلوفي فاري الـ60
منذ لحظة وصولي مبكرًا جدًا - يوم الجمعة 3 يوليو 2026 - صباح يوم افتتاح الدورة الستين لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، الممتد بين 3-11 يوليو 2026، حاولت الحصول على تذكرة لليوم التالي 4 يوليو لحضور فيلم «الخريج» للمخرج مايك نيكولز، والمنتج عام 1967، لكي أشهد تلك اللحظة التاريخية، حيث يقوم بطله، أيقونة التمثيل داستين هوفمان، بتقديم الفيلم لجمهور المهرجان التشيكي العريق، وذلك بمناسبة تكريمه بجائزة الكرة الكريستال عن إسهامه الفني المتميز في السينما العالمية.
كيف لا وقد رُشِّح داستين هوفمان سبع مرات، وفاز بجائزة الأوسكار مرتين، خلال تلك المسيرة السينمائية التي امتدت لأكثر من ستة عقود، والتي تضم طيفًا واسعًا من الشخصيات، تاركًا بصمةً لا تُمحى في عالم السينما. إنه من دون شك يُعد أحد أكثر الممثلين تنوعًا في تاريخ السينما، والذي لا يمكن اختزال مسيرته في عدد الأفلام، إن تفرد مسيرة هوفمان الفنية ترتبط ببراعته في تجسيد شخصيات معقدة مهمشة اجتماعيًا. كما أنه نموذج بارز للممثل العاشق لمنهج ستانيسلافسكي. وبفضل تفانيه اللامحدود في كل دور، ومثابرته الحثيثة، وسعيه الدؤوب نحو الأصالة المطلقة، نجح بقوة في تغيير مفهوم بطل هوليوود بزاوية مقدارها 180 درجة، وذلك بفضل تألقه وأدائه المتقن شديد التميز.
لم يحالفني الحظ، لكن كنت أكثر حظًا باستلامي دعوة حفل الافتتاح ومشاهدته على المسرح في القاعة الكبرى، يتسلم الكريستال جلوب، وكلمته المؤثرة. أيضًا طيب خاطري عن هذا الفقد وخسارة تلك اللحظة بأن إدارة المهرجان تسجل وتوثق أجمل لحظات المهرجان. فهناك على القناة الرسمية للمهرجان يوجد ما نفقده أو نخسره أثناء سعينا الحثيث وراء الأفلام، والتنقل من قاعة إلى أخرى، سواء بين عروض الصحفيين والنقاد، أو في عروض الجمهور بالتذاكر، أو في جولاتنا في مكتبة الفيديو أون لاين، حيث يتوفر مشاهدة عدد من الأفلام - ليس جميع البرمجة، ولا يتاح مشاهدتها إلا بعد عرضها الجماهيري - لكنها تسعفنا، خصوصًا إذا ضيعنا بعضها بسبب الكتابة أو إجراء المقابلات مع صناع الأفلام.
المهرجان نفسه يقدم تغطية احترافية عالية المستوى، تقول إن هناك جيشًا ضخمًا يعمل في قسم الصحافة هناك. لحسن الحظ طالعت ما فاتني من تقديم هوفمان بالصوت والصورة. فكيف كانت تلك اللحظات؟
«نحن على وشك أن نشهد لحظة استثنائية بكل معنى الكلمة. ممثلٌ أنتم معجبون به سيقدم فيلمًا تحبونه».
هكذا رحب كارل أوخ، المدير الفني لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي، بالممثل الأسطورة داستين هوفمان على خشبة المسرح. وكان هوفمان بنفسه هو الذي اختار عرض هذا الفيلم وتقديمه. وظل يتفاعل بمرح لافت مع القاعة التي يتجاوز عدد مقاعدها 1131 مقعدًا، إضافة إلى فريق كبير من المهرجان والمصورين والصحفيين.
هذا الرجل التسعيني - الذي يحتفل بعيد ميلاده التاسع والثمانين في أوائل أغسطس - يحمل روح شاب عشريني متوهج، يقول بما لا يدع مجالًا للشك: السن يمكن قهره، صحيح أن حركته الجسدية تقول إن الشيخوخة تضع آثارها، لكن حين يضحك ويتحرك، ويروح ويجيء ويشاكس، وعندما ينطق بأفكاره الغنية العميقة، ننسى الوقت والعمر تمامًا، ننسى أن جسده يمر في مرحلة الشيخوخة. تصرفاته تقول إن السنوات مجرد رقم يمكن تجاوزه.
وقد سُئل هوفمان - بدهشة - عن أسباب استمرار الإعجاب الجماهيري بفيلم من ستينيات القرن الماضي - «الخريج» - وقدرته على جذب جمهور من الشباب في العشرينات من عمرهم اليوم؟ هنا أشار بطل «رجل المطر» إلى أن الوضع الحالي لم يتغير كثيرًا عن الستينيات من بعض النواحي، فقد «نُشرت الرواية عام 1964، قبل أن تتسبب حرب فيتنام في انقسام الأمريكيين، تمامًا كما هو الحال في أمريكا اليوم». إذ يرى هوفمان أن أحد المحاور الرئيسية للفيلم هو دور الوالدين، مؤكدًا: «لقد بلغوا سن الرشد خلال ثلاثينيات القرن العشرين، زمن الكساد الكبير. لقد وفرت لهم الحرب وظائف، لكن بدلًا من أن يمنحوا أنفسهم لأبنائهم، منحوهم أشياءً مادية.. سترون ذلك في الفيلم.»
ثم اختتم هوفمان حديثه قائلًا: «عندما نبلغ العشرين، لا نعرف من نحن. ننظر في المرآة ونرى الشخص الذي نود أن نكونه، لكن هذه ليست حقيقتنا. سنقضي سنوات نبحث عن ذواتنا، وما زلت أنا أيضًا أبحث حتى اليوم.»
من دون أن ننسى أن الأب الحنون الرقيق في «كرامر ضد كرامر» في عام 2012 مارس الوقوف خلف الكاميرا أيضًا، فأخرج هوفمان فيلمه الروائي الأول "Quartet"، من بطولة ماغي سميث، وتوم كورتيناي، ومايكل غامبون، وبيلي كونولي. وحقق الفيلم، الذي اقتبس السيناريو الخاص به رونالد هاروود (المقتبس عن مسرحيته الأصلية)، إيرادات بلغت حوالي 60 مليون دولار في شباك التذاكر، ورُشِّحت ماغي سميث لجائزة غولدن غلوب.
جدير بالذكر أن داستين هوفمان سيصدر قريبًا مذكراته بعنوان "انظر إليّ"، والتي ستُنشر في العاشر من نوفمبر عن دار نشر "سايمون سيكس" التابعة لدار "سايمون آند شوستر". ستقدم المذكرات نظرةً ثاقبةً على حياة الممثل، وخلفيته العائلية، وإنجازاته، ومعنى السعي وراء الإبداع الشخصي.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع