إعلان

المقايضة الجديدة

ربيع فهمي

كتب - ربيع فهمي

07:00 م الإثنين 27 يوليو 2026

إذا كان الانغماس في الشبكات الاجتماعية يشبه العيش في غرف زجاجية بأبواب غير موصدة، فإن الاعتماد الكلي على أدوات الذكاء الاصطناعي يشبه التعري تمامًا داخل هذه الغرف.

قبل نحو خمسة عشر عامًا، كانت المقايضة هي البيانات الشخصية مقابل تواصل اجتماعي مزعوم. واليوم أصبحت المقايضة أشد خطورة، فقد اتسع نطاقها ليشمل البيانات الشخصية والمهنية وأسرار الشركات والجامعات والمصانع والمشافي، وكل شيء تقريبًا، مقابل كسب بعض الوقت وادخار مزيد من الجهد.

لقد تحولنا من مشاركة صور العطلات إلى مشاركة محاضر اجتماعات سرية، ومن تحديث الحالة الاجتماعية إلى التفريط في ملفات ومعلومات حساسة.

هذا التحول يمثل قفزة نوعية في حجم المخاطر. فبينما كانت بياناتنا على الشبكات الاجتماعية تُستخدم لاستهدافنا بالإعلانات، فإن البيانات التي نغذي بها نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية تُستخدم لتدريبها وتشكيل "وعيها"، لتصبح جزءًا لا يتجزأ من ذاكرتها التي قد تظهر لأي مستخدم آخر في أي مكان في العالم.

والأرقام هنا -كعادتها- لا تكذب. فوفقًا لتقرير سابق لشركة "Cyberhaven" المتخصصة في أمن البيانات، فإن 11% من البيانات التي يغذي بها الموظفون أدوات مثل ChatGPT هي بيانات سرية تشمل معلومات عن العملاء، والخطط المالية والاستراتيجية.

وخلص تقرير آخر صادر عن شركة "LayerX" إلى أن 4% من الموظفين يزودون أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بمعلومات حساسة أسبوعيًا. أضف إلى ذلك الزيادة المتسارعة في تكلفة خرق البيانات، والتي بلغ متوسطها عالميًا 4.45 مليون دولار في عام 2023، وفقًا لتقرير شركة IBM.

الحديث هنا ليس عن مقاطعة أدوات صارت كالماء والهواء، لكن عن استخدام مقنن وتوظيف في محله، لا تتسرب من خلاله الخطط والاستراتيجيات إلى أطراف ثانية وثالثة، والقائمة تطول ما دامت الجهات الرسمية المختصة بعيدة، لا تملك أو تشرف على هذه الأدوات.

ولعل الحل يكمن في مسارين متوازيين: الأول على مستوى المؤسسات، عبر تبني سياسات واضحة ترتكز على تدريب الموظفين واستخدام النسخ المؤسسية الآمنة من هذه الأدوات بما يضمن عدم استخدام البيانات للتدريب العام. أما المسار الثاني، وهو الأهم استراتيجيًا، فيقع على عاتق الحكومات، ويتمثل في ضرورة بناء نماذج محلية تكون خاضعة لإشراف وطني، خاصة في القطاعات الحساسة كالأمن والصحة والتعليم.

في النهاية، قد لا يمكننا هجر هذه الغرف الزجاجية التي أصبحت أمرًا واقعًا، لكن يمكننا تطوير أنظمة ذكية تحمي خصوصية بياناتنا الشخصية والمهنية. فالمكسب المؤقت في الوقت والجهد ربما يكون ثمنه خسارة فادحة في الاقتصاد والأمن على المدى البعيد أو القريب.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان