إعلان

من كان يتكلم بالموسيقى

أسامة عبد الفتاح

كتب - أسامة عبد الفتاح

07:00 م السبت 25 يوليو 2026

كان البعض يبتسم حين يقول إنه يؤلف موسيقاه وكأنه يكتب حوارًا، وإنه وضع موسيقى فيلم "المشبوه" كأنها عدة أسئلة متوالية: "هل يتوب البطل اللص؟ هل يغيّره الحب؟ هل يبدأ حياة جديدة؟ هل يعفو الضابط عنه؟"، ثم تأتي الإجابة الموسيقية أيضًا: "الله أعلم"..
تستمع إلى موسيقى فيلم "لا عزاء للسيدات" فتجد تنهدات متوالية وفضفضة متواصلة من امرأة يطحنها وينهش سمعتها مجتمع القيل والقال والاغتياب والافتراء، امرأة يتخلى عنها حبيبها ويصر طليقها على أنها ما زالت ملكًا خالصًا له، من حقه سحقها إذا أراد، فتنفجر بالموسيقى هاتفة وشاكية ومستنجدة، وتعبّر الموسيقى – كما قال هو – عن إجبار المجتمع لها على التراجع كلما أقدمت على أي قرار أو خطوة جديدة.
موسيقى فيلم "شمس الزناتي" تبدأ بصفارة تشبه تلك المستخدمة في أفلام الرسوم المتحركة، وتمامًا مثل مصارعة الفأر الضئيل "جيري" للقط الضخم "توم"، نتابع معركة الزناتي وفريقه المحدود مع المارشال المعتدي وعصابته الكبيرة على خلفية جملة موسيقية "استعجابية" – كما وصفها صاحبها – تتعجب من هذه المواجهة غير المتكافئة، لكنها تشجع الصغير صاحب الحق حتى ينتصر.
كان الناس يبتسمون، لكن هاني شنودة لم يكن يبالغ أو حتى يمزح، فقد كان يؤمن بأن الموسيقى لغة مثل أي لغة أخرى، ولها مفرداتها و"نحوها"، وكان يتكلم بالفعل ويعيش ويتنفس بها، وكان يتفاهم بها مع أمه، التي كانت تجيد عزف البيانو، وينادي كل منهما بها على الآخر ويسأله عما يريد حين تفرّق بينهما غرف المنزل، لذلك كان يندهش قليلًا حين أقابله فأبدي إعجابًا كبيرًا بشغله، ولم يكن يجد بسهولة الكلمات المناسبة للرد، وكان ذلك يتكرر مع كثيرين.. فما تعتبره أنت مذهلًا وتتساءل عن كيفية إبداعه أو صياغته، يعتبره هو عاديًا، بالنسبة لك هو يصنع المعجزات، وبالنسبة له هو "يعيش" فحسب، والموسيقى جزء من هذه العيشة.
زمان، كان هناك ما يُسمى بـ"مروحة الألوان" التي يعرضها عليك مهندس الديكور لتختار ما يناسبك من بين عشرات الألوان، والحقيقة أنه لا توجد مروحة أكبر من مروحته، قدرته على التنوع مذهلة ومدهشة، صائغ شجن "الشوارع حواديت" هو صانع بهجة "عصابة حمادة وتوتو" و"لونجا 79 و85"، والمسؤول عن رقة ونعومة "باحلم معاك" هو نفسه الذي ضبط توابل "زحمة يا دنيا زحمة" ليمنحها مذاقًا شعبيًا لا يُقارن، وربما كان أبلغ تعبير عن هذا التنوع، وتلك القدرة، ما قاله هو نفسه عن تعاونه مع محمد منير، حين وصفه بأنه لقاء الدف النوبي الأصيل، الذي يمثله منير بالطبع، مع آلات "الخواجات" مثل "الإلكتريك جيتار" و"البيز جيتار" و"الكيبورد" و"الدرامز".
أعجبه وصف الموسيقار محمد عبد الوهاب له بأنه "أقرب الخواجات لنا"، أي أقرب من درسوا وعزفوا الآلات الغربية لأرباب الموسيقى الشرقية وآلاتها. عمل مدرسًا لآلة البيانو لنحو خمس سنوات، وفي الوقت نفسه كان يعزف مع فرق موسيقية غربية، أشهرها "ليه بيتي شاه" (القطط الصغيرة) في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، لكنه لم يقنع بذلك، ولم يكن راضيًا، فانتفض عام 1977 وأسس فرقة "المصريين"، التي يُعبّر اسمها عنها، وعن رغبة مؤسسها في التعبير والغناء بصوته المصري، بشرط المزج بين الأغنية الشرقية والإيقاعات والتوزيعات الغربية الحديثة، مما أحدث نقلة نوعية في الأغنية المصرية، نقلة استفاد منها وصعد بها من اكتشفهم أو ساهم في بداياتهم من المطربين، وأبرزهم محمد منير وعمرو دياب.
صانع وجدان من الطراز الأول، ما من مصري أو عربي إلا وتسبح موسيقاه وأنغامه في مخيلته وذكرياته، من أغنية إلى فيلم إلى مقطوعة موسيقية، وما من واحد منهم إلا ويرتاح لطلته ويشعر بطيبته وخفة ظله، فقدانه بالنسبة لهم فقدان لفرد من الأسرة.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان