إعلان

حضور وتمثيل بارز لقضايا المرأة في كارلوفي فاري الستين

د. أمل الجمل

كتب - د. أمل الجمل

07:00 م الإثنين 20 يوليو 2026

«عندما يكون الأسد من خلفك والبحر أمامك، ستختار البحر مهما كلفك الأمر.» إنها كلمات مرياما، الفتاة السنغالية المراهقة التي طلبت حق اللجوء إلى قبرص، والتي تفسر لصديقتها - البطلة المشاركة بالفيلم - لماذا واتتها الجرأة أن تخاطر بحياتها بالهجرة عبر البحر والأمواج المضطربة، وقد كانت مهددة بأن تفقد حياتها، وذلك ضمن أحداث فيلم المخرجة والمنتجة وكاتبة السيناريو القبرصية تونيا ميشيالي، الذي يحمل عنوان «الأسد من خلفي» The Lion at My Back، والذي شارك في التنافس على جائزة الكريستال جلوب في الدورة رقم ستين لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، والممتدة بين ٣-١١ يوليو ٢٠٢٦، حيث شهدت هذه الدورة الاستثنائية احتفالًا مزدوجًا، حيث الاحتفال ببلوغ الدورة الستين، بالتوازي مع الاحتفال بمولد ونشأة المهرجان عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وبلوغه سن الثمانين.
بهذا الفيلم تواصل تونيا ميشيالي ما بدأته في أفلام أخرى، كثير منها روائي قصير، عن قضايا النساء وإشكاليتهن في المجتمع الذكوري، لكن بالأساس تمنحنا ميشيالي الشعور بأنها تبني على فيلمها الروائي الأول الطويل «وقفة مؤقتة» Pause، والذي عُرض هو أيضًا بالمهرجان التشيكي العريق قبل سبع سنوات، وتحديدًا عام ٢٠١٨، ولكن ضمن مسابقة «شرق الغرب» التي تم إلغاؤها لاحقًا، وتم استبدالها بمسابقة «بروكسيما» التي تعني «القريب».
تنهض أحداث الفيلم على شخصية امرأتين، إحداهما مراهقة من السنغال تطلب حق اللجوء، والثانية امرأة قبرصية بالغة تتعافى من إدمان المخدرات، وفي ذات الوقت تناضل للحصول على حق حضانة طفلتها. كلتا المرأتين تسعى جاهدة للحصول على بداية جديدة، هذه المعاناة المشتركة، والتضامن رغم القسوة أحيانًا، يخلقان بينهما رابطة غير متوقعة.
الفيلم به كثير من الأشياء الجذابة، التي تجعلنا نتعاطف مع المرأتين، أثناء صراعهما، وبث مخاوفهما، فأداء الممثلتين متقن تلقائي ممزوج بالحيوية والصدق، خصوصًا إيلينا كالينيكو التي جسدت شخصية المرأة القبرصية شتيلا، بكل ما في ملامحها من جمال ورقة ووحشية في آن واحد. وكذلك الممثلة الفرنسية من أصول أفريقية سُخنة ديالو، التي جسدت الفتاة السنغالية مرياما، بكل براءتها وملامحها المتفائلة المقبلة على الحياة رغم قسوة ما واجهته، كأنها تُدرك أن الحياة «هبة» يجب ألا نتمسك بها فقط، بل علينا أن نحتفي بها.
من الأشياء الجميلة سينمائيًا بالفيلم تصوير عدد من المشاهد التي تتسم بالجدة البصرية، خصوصًا فيما يخص استغلال النساء جسديًا، في أقفاص تشبه تلك المعدة للحيوانات الشرسة، في تلك اللحظات المصنوعة في أجواء من التوتر المتصاعد التي نشعر فيها بأن الحلقة والدائرة يتم إحكامهما من حول البطلتين، وأن إحداهما يمكن لها أن تستسلم وتبيع رفيقتها كي تنقذ ذاتها وتخلص روحها، لكن هل يمكن اعتبار ذلك خلاصًا؟ وهل حقًا تستسلم النساء وهن في أحوج لحظات التضامن ومساندة بعضهن البعض؟ هل يمكن التضحية بالصداقة والتضامن لأجل استعادة حلم الأمومة؟ وهل يحقق ذلك السعادة النقية من الشوائب؟ أم أن الوعي يمكن أن يظل حاضرًا حتى في ظل عدم التعافي التام من الإدمان؟
تقول المخرجة وكاتبة السيناريو تونيا ميشيالي عن فيلمها، الذي صُوِّر بتقنية 16 ملم بكاميرا محمولة، والذي يحتفي بصمود المرأة وتضامنها: «عندما كنت طفلة، اندلعت الحرب واضطررت أنا وعائلتي إلى الفرار من منزلنا. ظلّت تلك التجربة المبكرة للنزوح عالقة في ذهني. قبل سنوات، توطدت علاقتي بالعديد من النساء الأفريقيات المهاجرات. لقد أثر فيَّ صمودهن بشدة. بصفتي أمًا لابنة مراهقة، أؤمن بوجود رابطة خاصة، وإن كانت معقدة، بين الأمهات وبناتهن. لذلك أردت إيجاد طريقة لتجسيد هاتين القضيتين الشخصيتين العميقتين في فيلم واحد، وهكذا وُلدت قصة هذا التحالف غير المتوقع».
تفاعل الجمهور التشيكي مع الفيلم القبرصي، وفي ختام المهرجان نجح الفيلم في أن يحصد الجائزة الكبرى للجنة التحكيم المسكونية، وهي إحدى الجوائز الموازية، حيث جاء في بيان لجنة التحكيم ما يلي: من خلال صور مكثفة واقعية تتحول إلى رمزية في لحظات محورية، يروي الفيلم قصة اللاجئة مرياما، البالغة من العمر ثمانية عشر عامًا، والقبرصية ستيلا، البالغة من العمر أربعين عامًا، واللتين تنشأ بينهما علاقة وثيقة. ومن منظور مسكوني، يحمل فيلم "الأسد على ظهري" سردًا إنجيليًا. والمثير للدهشة أن مرياما تصبح بمثابة المسيح بالنسبة لستيلا وغيرهم ممن لا يستطيعون، بقوتهم الذاتية وحدها، إيجاد طريقهم للخروج من الهيمنة المدمرة.
يُذكر أن لجنة التحكيم المسكونية بدأت منح جوائزها للأفلام المشاركة في مسابقة الكرة الكريستالية، بمهرجان كارلوفي فاري منذ عام ١٩٩٤، حيث تمنح جوائزها لتلك الأفلام التي تتميز بجودة فنية عالية، وتطرح تساؤلات حول القيم الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والروحية. وتشجع اللجنة المخرجين الذين يركزون على البحث عن الحقيقة والعدالة والأمل وفقًا لتعاليم الأناجيل المسيحية.
رغم ما سبق، فإن تاريخ ظهور جائزة لجنة التحكيم المسكونية يعود إلى عام ١٩٧٣. إنها جائزة مستقلة تُمنح في مهرجانات سينمائية دولية كبرى (مثل مهرجان كان السينمائي ومهرجان لوكارنو السينمائي) تقديرًا للأفلام الروائية الطويلة التي تمزج بين الجودة الفنية العالية والقيم الروحية أو الأخلاقية أو الاجتماعية العميقة. منذ تأسست لجنة التحكيم المسكونية، وهي تتألف من ممثلين عن منظمتين سينمائيتين مسيحيتين دوليتين: SIGNIS (للكنيسة الكاثوليكية) وINTERFILM (للكنائس البروتستانتية). ويتألف أعضاء لجنة التحكيم عادةً من نقاد وعلماء دين ومختصين في صناعة الأفلام، مؤمنين ومنفتحين على الحوار بين الأديان والحوار الإنساني.
ورغم أن الجائزة تُمثل منظورًا دينيًا، إلا أن لجنة التحكيم لا تشترط أن تُركز الأفلام بشكل صريح على الموضوعات الدينية. لكنها تهتم بتلك الأفلام التي تركز على الجوانب الإنسانية وتشجع على التأمل الأخلاقي أو الروحي. ربما لذلك أيضًا، عند تقييمها للأفلام، يكون المعيار الأساسي للتحكيم هو البحث عمومًا عن العمق الإنساني، والأفلام التي تكشف عن أعماق الطبيعة البشرية، وتتناول الصراعات والألم والأمل، دون أن تتخلى عن القيم الروحية والأخلاقية، تلك الأعمال التي تُسلط الضوء على البعد الروحي للوجود أو تتناول موضوعات مثل العدالة والسلام والمصالحة. مع ذلك لا يمكن الاكتفاء بتلك الأبعاد الخاصة بالرسالة الميتافيزيقية أو الدينية، فلا بد أن يصاحبها التميز الفني، وأن تتحقق معايير فنية في ظل تقنية عالية.
بقي أن نشير إلى أن «الأسد من خلفي» لم يكن الفيلم الوحيد الذي يعبر عن قضايا النساء، ففي جميع أقسام البرمجة بداخل مهرجان كارلوفي فاري الستين هناك عشرات الأفلام التي تعالج قضايا تخص المرأة، في علاقتها بأسرتها وبأفراد عائلتها، وبالمجتمع من حولها. الأمر ذاته كان واضحًا في حصة المرأة المبدعة، حيث يوجد عدد غير قليل من النساء المخرجات وكاتبات السيناريو والمنتجات، كذلك التكريمات، فهناك ثلاث نساء من أبرز نجمات السينما العالمية والتشيكية تم تتويجهن بجوائز الإبداع والتميز، فتحية تقدير لإدارة مهرجان كارلوفي فاري، وجميع فريق العمل، بمن فيهم المتطوعون، والجمهور الذي دومًا يُؤكد بحضوره صوابية خيارات فريق البرمجة، وعلى نجاح تلك الجهود التي يبذلها المنظمون.

21

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

عفوا.. لا يوجد مباريات اليوم

إعلان