إعلان

الصناعة.. الملف الحائر!

د. غادة موسى

كتب - د. غادة موسى

07:00 م السبت 18 يوليو 2026

كتب جبران خليل جبران في قصيدة «ويلات وطن»: "ويل أمة تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تنسج" للتأكيد على أن استقلال الأمم وسيادتها يرتبطان بقدرتها على إنتاج غذائها وصناعة احتياجاتها الرئيسية".

وتظل الصناعة في مصر ملفًا حائرًا يبحث عن مرفأ. فهي الحلم الذي يراود الدولة لتحقيق نهضة اقتصادية حقيقية، وفي الوقت ذاته، هي الواقع المتعثر الذي يواجه تحديات بنيوية وهيكلية جعلتها بعيدة عن أن تكون القاطرة الحقيقية للنمو. إن حالة عدم الاستقرار التي يعيشها هذا القطاع تعكس ارتباكًا في الرؤية وفي التنفيذ، مما أفقد الصناعة المصرية قدرتها على التنافسية أو تحقيق القيمة المضافة المرجوة. ولن أتحدث في هذا المقام عن تجارب ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية أو التجربة التركية، بل سأركز على واقع الصناعة في مصر.

فواقع الصناعة لا يرتقي إلى طموح المواطنين والخبراء، حيث تشير البيانات الرسمية خلال السنوات الخمس الماضية إلى أن مساهمة الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي لم تتجاوز في أحسن أحوالها حاجز الـ16% إلى 17%. هذا الرقم يظل بعيدًا عن الطموحات الوطنية التي تسعى للوصول إلى نسب أعلى بكثير، مما يعني أن الصناعة لم تتحول بعد إلى المحرك الأساسي للاقتصاد، بل ظلت حبيسة معوقات تحد من توسعها.

وتتجلى معوقات وإشكاليات الصناعة في محورين رئيسيين؛ الأول يتعلق بمدخلات الإنتاج، حيث تعاني المصانع من اعتماد مفرط على استيراد المواد الوسيطة وقطع الغيار، ومع أزمات توفير العملة الصعبة أو اضطرابات سلاسل الإمداد، تصبح العملية الإنتاجية مهددة بالتوقف. أما المحور الثاني فهو البيروقراطية؛ إذ لا تزال إجراءات إنشاء المصانع تتسم بالتعقيد رغم محاولات التيسير، حيث يواجه المستثمر متاهة من الموافقات التي تتطلب التعامل مع هيئة التنمية الصناعية، والمحليات، وهيئة البيئة، والدفاع المدني، وغيرها، مما يجعل الحصول على ترخيص نهائي رحلة شاقة ومكلفة ومحُبِطة.

وفي رأيي أن من أكبر معوقات القطاع هو "تشتت الملف"، حيث تتوزع صلاحيات قطاع الصناعة بين جهات متعددة تفتقر أحيانًا للتنسيق، مثل وزارة التجارة والصناعة، ووزارة الاستثمار، ووزارة المالية (من خلال الجمارك والضرائب)، بالإضافة إلى هيئات الحكم المحلي. هذا التعدد يولد تضاربًا في القرارات ويجعل المستثمر المحلي في حيرة؛ ففي الوقت الذي تدعو فيه الدولة للاستثمار، يظل تعدد الرؤوس والارتفاع المضطرد في الضرائب والرسوم الجمركية على المعدات والخامات يشكل عبئًا تمويليًا يمتص سيولة الشركات بدلًا من ضخها في التوسع.

إن المستثمر المحلي هو "الترمومتر" الحقيقي؛ فهناك علاقة طردية وثيقة بين قوة الصناعة وجذب الاستثمار المحلي وليس فقط الأجنبي. فإذا شعر المستثمر ببيئة استثمارية مستقرة وتشريعات ضريبية عادلة، سيندفع للإنتاج. لكن ما يحدث حاليًا أن الأعباء الضريبية المتصاعدة وارتفاع الرسوم أضعفت قدرة المصانع على تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع، مما أبقى الباب مفتوحًا أمام الاستيراد لتعويض العجز، وهو ما يضغط بدوره على ميزان المدفوعات.

إن خطورة استمرار "حيرة" ملف الصناعة تكمن في استنزاف الموارد وضياع فرص التوطين التكنولوجي. فيبدو أن تمتلك مقومات النجاح من عمالة وموقع وأسواق غير كافية بمفردها، إذ يظل الافتقار إلى "وحدة القرار الصناعي" وتوحيد الوعاء الضريبي والجمركي أزمة كبرى.

إن الانتقال من مرحلة الشعارات إلى التطبيق يتطلب قرارًا شجاعًا بتبني رؤية وإرادة حقيقية تحمي المستثمر الصناعي من التغيرات المفاجئة، وتضمن استدامة سلاسل الإمداد، لكي تتحول الصناعة من مجرد ملف حائر إلى حجر الزاوية في الاقتصاد المصري.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان