إعلان

سينما عربية جديدة في دورة استثنائية لكارلوفي فاري

د. أمل الجمل

كتب - د. أمل الجمل

07:00 م السبت 18 يوليو 2026

أربعة أفلام عربية جديدة اشتبك معها الجمهور التشيكي، باستقبال حميمي، إذ تجاوب معها بالضحك المتفجر بين جنبات القاعات، كاشفًا عن فهمه للغتها السينمائية وثقافتها المحلية بكل إيماءاتها الإنسانية، لذلك لم يكن مدهشًا أبدًا تصفيقه الحماسي مطولًا - بدرجات متباينة - عقب عروضها في قاعات السينما أثناء فعاليات مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي في دورته الاستثنائية التي حملت رقمي 60 على 80 والتي امتدت بين 3-11 يوليو 2026.

لبنان وجائزة أفضل تمثيل

من الأشياء الجميلة بهذه الأفلام الأربعة - ليس فقط لغتها السينمائية وموضوعاتها الجديدة وقدرتها على الجمع بين التجاري والفني - ولكن أيضًا مشاركة الفيلم اللبناني «قساطل» - بمعنى «أنابيب المياه» أو «مواسير المياه» - للمخرج كريم قاسم بإنتاج لبناني ودعم قطري سعودي - في المسابقة الرسمية والمنافسة على الكريستال جلوب، وفوز بطل الفيلم غسان سعد بجائزة أفضل تمثيل للرجال.

المدهش أن غسان سعد ليس ممثلًا محترفًا، وجميع أبطال كريم في أفلامه السابقة من غير الاحترافيين، لكن الجائزة وفوز غسان يؤكدان على مهارة المخرج في إدارة أبطال فيلمه، مهما كان لدينا من تحفظات على الأداء.

تدور أحداث الفيلم حول شخصية حسن الذي يقوم بدوره غسان سعد. إنه موظف متقاعد في شركة المياه في إحدى قرى لبنان. صديقه رضا - من بنجلاديش - مات قبل فترة قصيرة في ظروف غامضة، والآن حسن في حالة حداد وحزن على صديقه الراحل الذي كانت تربطه به عشرة وصداقة قوية، يعيش حسن في وحدته، حيث تركته ابنته إلى المدينة مثل كثير من الشباب، فالقرية خالية منهم تمامًا، لا يعيش فيها إلا كبار السن.

اعتاد حسن على مساعدة جيرانه لحل مشاكل انقطاع المياه، لكن هذه المرة، الأزمة تجاوزت المعتاد، وصارت أكثر حدة، فالمدينة بأكملها لا يوجد بها مياه منذ أكثر من أسبوع، مما يؤثر على علاقات الناس. يرغب حسن في مساعدة الجميع، لكنه إضافة إلى الحزن المسيطر عليه لا يجد نقودًا يشتري بها قوت يومه، مع ذلك الناس من حوله يتعاملون معه كأنه موظف مسؤول ويحملونه المسؤولية في صلف، بينما ينسون أنه على المعاش وأنه كان يساعدهم لأنه إنسان عطوف. مع ذلك يتحلى حسن بحس الفكاهة، والسخرية اللاذعة، أحيانًا منهم ومن حاله. وأثناء ذلك كله يسعى لصناعة شيء لتخليد ذكرى صديقه الراحل.

يتميز المخرج اللبناني كريم قاسم بخصوصية في توظيف لغته السينمائية، وبكارة اختياراته سواء مع الأماكن والشخصيات وصناعة المواقف بينهم، وإن كان بعض ممثليه كان شريكًا معه في أفلام سابقة، تصفه الناقدة التشيكية آنا كورينيك - من فريق برمجة المهرجان - بأنه «استخدم أنواعًا سينمائية مختلفة ببراعة، فيرسم صورة مزدوجة أنيقة لرجل على مشارف الشيخوخة وللمكان الذي كان جزءًا منه طوال حياته. إنه يفعل ذلك بحنين، وروح دعابة خفيفة، ونظرة مفعمة بالعمق تكاد تكون تأملية، مع لمسة من التحقيق البوليسي.»

ليست هذه المرة الأولى لمشاركة لبنان، لكنها المرة الثانية للمشاركة العربية عمومًا بداخل المسابقة الرسمية على مدار تاريخ الدورات الستين للمهرجان التشيكي العريق الذي يعد الأهم والأبرز في وسط وشرق أوروبا. كانت المرة الأولى قبل ثلاثة أعوام بمشاركة فيلم «على حافة البركان» للمخرج اللبناني سيريل العريس، والذي منح آنذاك تنويهًا وشهادة تقدير سلمته إياها درة بوشوشة التي كانت عضو لجنة التحكيم في ذلك العام.

الجدير بالذكر أن سيريل العريس شارك أيضًا من قبل بفيلمه «المرجوحة» - ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية عام 2018 وذلك قبل إلغاء تلك المسابقة، وإتاحة الفرصة للأفلام الوثائقية لأن تتنافس مع الروائية على الكرة الكريستال.

لغة الأرت هاوس والروح التجارية

عندما شاهدت هذه الأفلام الأربعة كان لافتًا لي تميزها بالحس التجاري، إنها أفلام لم تتخل عن اللغة السينمائية وخيار الإبداع ومستوى الأرت هاوس، لكنها في ذات الوقت كانت قادرة على تحقيق المعادلة الصعبة وصناعة مواقف قادرة على تفجر الضحك من الجمهور، وفي تقديري منها ثلاثة على الأقل - «هوت سبرنج» و«المحطة» و«نجوم الألم والأمل» - قادرة على المنافسة بقوة في شباك التذاكر، رغم أي ملاحظات نقدية قد تؤخذ عليها.

جاءت عروض الأفلام الثلاثة الأخرى ضمن قسم «آفاق» الذي يحقق مشاهدات عالية جدًا، وعادة ما تنفد تذاكره سريعًا ويقف طابور طويل في قائمة الانتظار، وأتذكر أن فيلم «هوت سبرنج» لم أتمكن من مشاهدته في حفل الصحافة - لارتباطي بإجراء حوار مع أحد صناع الأفلام - ولم أتمكن من العثور على تذكرة له، فقد نفدت جميعًا فاضطررت للحضور قبل موعد العرض بثلاث ساعات والانتظار في مقدمة الطابور أمام قاعة العرض، لكن طبعًا هناك لا تضييع للوقت لأننا صحيح ننتظر لكننا نحمل أجهزة الكمبيوتر ونكتب أو نشاهد أفلام أون لاين أثناء الانتظار.

تقوم ببطولة الفيلم الممثلة المغربية لبنى أزابال، من تأليف وإخراج رمزي بشور، مخرج سوري لأم من إنديانا. الأم بالفيلم من فلسطين انفصلت عن زوجها القادم من إنديانا، في عيد ميلاد ابنها الوحيد تقرر أن توافق على تحقيق أمنيته وأن توصله لمكان يلتقي فيه مع والده. إنه فيلم طريق، بديع، يتفجر بالضحك، والسخرية، والعلاقة الجميلة بين الأم وابنها رغم التوتر وسوء المزاج الذي يغمرها أحيانًا.

أما فيلم «البارحة العين ما نامت» من إخراج المخرج الفلسطيني راكان مياسي، فتدور الأحداث حول حروب ونزاعات مغايرة لما يحدث الآن. المكان وادي البقاع على الحدود اللبنانية السورية. نعيش مع البدو السكان المحليين، وقوانينهم الخاصة النافذة على الجميع، الأحكام التي يصدرها شيخ القبيلة تكون نافذة على الجميع ولا يجب تكسيرها، مهما بدت ظالمة للبعض. هنا، تدفع النساء نتيجة أخطاء الرجال، ونتيجة أحكامهم الجائرة أيضًا. بسبب خطأ قاتل يرتكبه الأخ تدفع الأسرة بأكملها الثمن، تتشتت وتطرد من دارها، لكن الثمن الأكبر والأفدح تدفعه الأخوات، إحداهن يتم تزويجها رغمًا عنها لرجل لا تراه ولا تعرفه، وتعيش معه كأنها في سجن، والثانية يطلق سراحها لكنها لا تستطيع العودة للبيت التي عاشت فيه لأنه أصبح مثل القبر بدون أبواب أو نوافذ. يعد الفيلم التجربة الأولى للمخرج الفلسطيني راكان مياسي.

الفيلم الثالث لبناني الهوية - بدعم قطري سعودي وإنتاج لبناني - بعنوان «نجوم الألم والأمل» للمخرج سيريل العريس، ويدور حول قصة حب في أجواء الحرب، من خلال الفلاش باك والفلاش فورورد وأجواء من السخرية اللاذعة والكوميديا السوداء أحيانًا نعايش ثلاثة أجيال عاشوا خراب لبنان، كأن قصة الحرب تكرر نفسها مرات ومرات.

ثم يأتي فيلم «المحطة» للمخرجة اليمنية - أب يمني وأم إسكتلندية - ليؤكد على روح السخرية في مواجهة الحرب، وقدرة النساء على الصمود ومواصلة الحياة والإفلات من ويلات الحرب بطرق شتى، ويعد الفيلم التجربة الروائية الأولى للمخرجة، لكنها قدمت أعمالًا تسجيلية من قبل منها «بيت التوت».

الجدير بالذكر أن ثلاثة منها تمت بدعم لبنان وقطر والسعودية، كل منهم تشارك في إنتاج ثلاثة منهم، مثلما شاركت السعودية في إنتاج فيلم هندي شارك في مسابقة بروكسيما بعنوان «يد ملطخة بالحبر وإبهام مفقود» من إخراج ياشافي جويال. لكن المدهش حقًا أن أحد هذه الأفلام - «هوت سبرنج» - رغم كونه إنتاجًا مستقلًا، لكنه شارك تحت اسم الولايات المتحدة الأمريكية، بينما يحمل توقيع مخرج من أصول عربية، وهو رمزي بشور، المخرج والمنتج وكاتب السيناريو والمؤلف الموسيقي، وأيضًا يقوم بالمونتاج في بعض الأفلام الأخرى.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان