إعلان

أمهات على أبواب اللجان: هل ننتقد القلق أم نحاكم ضحاياه؟

د. رودينا خيري

كتب - د. رودينا خيري

07:00 م الثلاثاء 14 يوليو 2026

مع اقتراب امتحانات الثانوية العامة من محطتها الأخيرة، لا يزال المشهد ذاته حاضرًا أمام اللجان: أمهات واقفات على الأرصفة، بعضهن يرفعن أيديهن بالدعاء، وبعضهن يقرأن القرآن، وأخريات يطاردن وجوه أبنائهن بنظرة أخيرة قبل أن تنغلق خلفهم بوابة المدرسة، وكأن تلك البوابة لا تفضي إلى لجنة امتحان، بل إلى محكمة قدرية تُصدر حكمها على سنوات كاملة من السهر والإنفاق والخوف والتوقعات.

ثم لا يلبث المشهد أن ينقسم الناس حوله؛ ففريق يراه ذروة الحنان ونبل الأمومة، وفريق آخر يراه مبالغة تربوية وضغطًا نفسيًا يثقل أبناءنا بدل أن يخفف عنهم، وبين التعاطف والانتقاد تضيع الحقيقة الأهم؛ فنحن لا نشاهد أمهات ينتظرن أبناءهن فحسب، بل نشاهد مجتمعًا بأكمله وقد اختزل المستقبل في ورقة إجابة، وجعل الامتحان معركة عائلية لا اختبارًا دراسيًا.

إن الأم التي تقف أمام اللجنة ليست بالضرورة أمًا عاجزة عن ترك ابنها يواجه حياته، بل هي في كثير من الأحيان النتيجة الطبيعية لمنظومة طويلة جعلت التعليم مشروع نجاة، والدرجات صك عبور، والمجموع معيارًا للقيمة، والكلية لقبًا اجتماعيًا، والفشل وصمة لا تجربة قابلة للتجاوز. ولذلك يصبح السؤال العادل ليس: لماذا تقف الأمهات أمام اللجان؟ بل: ما الذي جعل الأم تشعر أن وقوفها في الشمس أقل قسوة من انتظارها في البيت؟ وما الذي جعلها تؤمن أن دعاءها أمام الباب قد يكون آخر ما تملكه في مواجهة قلق لا تستطيع تحمله؟

في القرآن الكريم، لم تُقدم الأمومة كضعف أو اندفاع عاطفي عابر، بل كحالة إنسانية تجمع بين الخوف والرجاء، وبين الفقد والثقة. فحين أُوحي إلى أم موسى: "ولا تخافي ولا تحزني"، لم يكن الخوف عيبًا في قلبها، بل كان دليلًا على بشريتها، وكانت الطمأنينة الإلهية اعترافًا أولًا بوجع الأم قبل أن تكون أمرًا بالصبر. وقد صور القرآن الكريم هذا القلق الأمومي في قصة أم موسى؛ لا من حيث تشابه الحدث، فشتان بين خطر عظيم وامتحان دراسي، ولكن من حيث ذلك الشعور الإنساني الذي يعتري قلب الأم حين تجد نفسها مضطرة إلى ترك ابنها يواجه لحظة لا تستطيع أن تعبرها معه. لقد ظل قلب أم موسى معلقًا بولدها، حتى وصف القرآن الكريم حالها بقوله: "وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا"، وهي آية تختصر ارتباك القلب حين يخرج الابن من دائرة حضن أمه إلى مصير لا تملك السيطرة عليه.

ومن هذا المعنى يمكن أن نقرأ مشهد الأمهات أمام لجان الامتحان قراءة أكثر إنصافًا؛ فهن لا يقفن هناك لأنهن يجهلن أن أبناءهن وحدهم داخل اللجنة، ولا لأنهن يتوهمن أن الانتظار سيغير الأسئلة أو يمدد الزمن، بل لأن القلب الأمومي لا ينصرف بسهولة عن باب دخله الابن محملًا بتعب عام كامل وقلق أسرة بأكملها.

إن الأم الواقفة أمام اللجنة لا تملك أن تكتب إجابة، ولا أن تبدل سؤالًا، ولا أن تمنح ابنها دقيقة إضافية، لكنها تملك أن تنتظر، وأن تدعو، وأن تجعل حضورها الصامت شكلًا أخيرًا من أشكال المشاركة في لحظة لا يسمح لها أحد بدخولها. والأمهات أمام اللجان، وإن بدت ملامحهن هادئة أحيانًا، فإن داخلهن يمتلئ بعشرات الأسئلة: هل أحسن الابن الإجابة؟ هل تذكر ما راجعه؟ هل خانه الوقت؟ هل أربكه توتر اللجنة؟ هل ستنصفه الدرجة؟ وهل سيخرج مطمئنًا أم منكسرًا؟

وحين يخرج الابن، لا تسأله الأم غالبًا عن العلم الذي اكتسبه، بل عن الامتحان: "عملت إيه؟ جالك إيه؟ لحقت تجاوب؟"، لأننا لم نعد نعلم أبناءنا من أجل المعرفة بقدر ما ندربهم على النجاة من نظام تقييم قاسٍ.

هنا يظهر وجه الانتقاد المشروع؛ نعم، قد يكون ازدحام أولياء الأمور أمام اللجان عبئًا نفسيًا على بعض الطلاب، وقد تتحول الدموع والانتظار المشحون إلى رسالة غير مباشرة تقول للطالب: مصيرنا كلنا فوق كتفيك. نعم، بعض الأبناء يحتاجون إلى مساحة وهدوء وثقة، لا إلى عيون تودعهم كأنهم ذاهبون إلى معركة فاصلة. لكن الإنصاف يقتضي ألا نحول الأم وحدها إلى متهمة، لأنها ليست صانعة القلق بل حاملته، وليست أصل المرض بل أكثر من تظهر عليها أعراضه.

إن من السهل أن نسخر من أم تقف أمام اللجنة، لكن من الصعب أن نسأل: كم ليلة نامت وهي تحسب مصاريف الدروس؟ كم مرة أخفت خوفها حتى لا تنقل العدوى إلى ابنها؟ كم مرة سمعت جملة "الثانوية العامة سنة تحديد المصير" حتى صدقتها؟ وكم مرة قيل لها إن الأم الناجحة هي التي تتابع وتضغط وتضحي وتدفع وتراقب وتحاسب، ثم حين فعلت ذلك اتُّهمت بأنها تبالغ؟

لقد قال حافظ إبراهيم: "الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق"، لكننا في واقعنا لم نعد نعدّ الأم لتكون مدرسة بالمعنى النبيل، بل تركناها وحدها تتحول إلى مدرسة طوارئ: تشرح حين لا يكفي الشرح، وتدفع حين تتعثر المدرسة، وتحتوي حين ينهار الابن، وتعتذر حين لا ذنب لها، ثم نقف لنحاكم دموعها أمام اللجان.

إن هذا المشهد لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه صورة عاطفية تصلح للتصوير، ولا بوصفه عادة اجتماعية تصلح للسخرية، بل بوصفه مرآة دقيقة لأزمة أعمق: أزمة تعليم جعلت البيت امتدادًا قهريًا للفصل، وأزمة مجتمع جعل التفوق الدراسي بديلًا عن الأمان، وأزمة خطاب عام يطالب الأم أن تكون قوية دائمًا، ثم يلومها إذا ظهر خوفها للعلن.

ولعل من أجمل ما يقدمه القرآن في معنى العلم أنه لم يجعله مرادفًا للدرجات، بل جعله طلبًا مفتوحًا: "وقل رب زدني علمًا"، أي إن العلم رحلة اتساع لا لحظة رعب، ونور يبني الإنسان لا امتحان يكسر روحه.

فإذا أردنا حقًا أن نخفف من وقوف الأمهات أمام اللجان، فلن يكفي أن نطلب منهن العودة إلى البيوت، بل علينا أن نعيد للامتحان حجمه الطبيعي، وأن نعيد للطالب حقه في أن يخطئ دون أن يُعدم اجتماعيًا، وأن نعيد للأم حقها في الطمأنينة لا في البطولة الدائمة.

ليست البطولة أن تظل الأم واقفة تحت الشمس، وليست القسوة أن ننصحها بالهدوء. البطولة الحقيقية أن نبني نظامًا لا يجعلها مضطرة إلى الوقوف أصلًا، وأن نربي أبناءنا على أن المستقبل لا يكمن في ورقة واحدة، وأن القيمة لا تختصرها درجة، وأن الله الذي قال: "إن مع العسر يسرًا" لم يقل إن اليسر لا يأتي إلا من باب كلية بعينها أو مجموع بعينه أو لقب بعينه.

لذلك، قبل أن ننتقد الأمهات على أبواب اللجان، فلنسأل أنفسنا: هل نحن نرفض المشهد لأنه مؤذٍ فعلًا للأبناء، أم لأنه يفضح أمامنا ما نحاول إنكاره؟ يفضح أن الأم المصرية لم تعد تربي فقط، بل تفاوض الخوف كل يوم؛ ولم تعد تنتظر النتيجة فقط، بل تنتظر إنصافًا لم يأتِ؛ ولم تعد تقف أمام مدرسة، بل أمام نظام كامل يسأل ابنها وحده عن أخطاء لم يرتكبها وحده.

وفي النهاية، ربما لا تحتاج هذه الأم إلى من يصورها، ولا إلى من يسخر منها، ولا إلى من يصفق لها، بل تحتاج إلى مجتمع يقول لها بصدق: اطمئني، ابنك أكبر من امتحان، وأنت لست وحدك في هذه المعركة، والتعليم ينبغي أن يفتح الأبواب لا أن يحول أبواب المدارس إلى أرصفة انتظار طويلة للقلوب الخائفة.

وفي الختام، تبقى رسالة واجبة إلى بعض الإعلاميين وصناع المحتوى الذين يتناولون مشهد الأمهات أمام لجان الامتحان بسخرية أو استخفاف: ليس من المهنية أن نضحك على قلق الناس قبل أن نفهم أسبابه، وليس من الوعي أن نختزل أمًا واقفة في الشمس في صورة هزلية أو تعليق عابر.

قد يقول البعض إن هذا المشهد لا يحدث بهذا الشكل في دول أخرى، ولكن السؤال الأعمق ليس: لماذا لا نشبه العالم؟ بل: لماذا نصر على مقارنة أم مصرية مرهقة بواقع تعليمي واجتماعي واقتصادي مختلف تمامًا؟ فالأم هنا لا تقف أمام اللجنة حبًّا في الزحام، ولا رغبة في استعراض القلق، وإنما لأنها ابنة بيئة جعلت الامتحان حدثًا عائليًا، والمجموع مصيرًا، والخطأ كارثة، والمستقبل معلقًا على ورقة.

وقبل أن نسأل: هل تفعل أمهات العالم ذلك؟ فلنسأل: هل يعيش العالم ضغط الثانوية العامة كما تعيشه الأسر المصرية؟ وهل تُحمَّل الأسرة هناك ما تُحمَّله الأسرة هنا من خوف ومصاريف ومقارنات وانتظار اجتماعي قاسٍ؟

إن السخرية من هؤلاء الأمهات ليست خفة ظل، بل تقليل من تعب لا يُرى، ومن خوف لا يقال، ومن أمومة تحاول أن تسند أبناءها بالطريقة الوحيدة التي بقيت لها: الانتظار والدعاء.

ومن أراد أن ينتقد الظاهرة فليفعل بوعي واحترام، لا بتعالٍ على الأمهات ولا بمحاكمة ضحايا الضغط بدل مساءلة أسبابه؛ فليست الأم المصرية مادة للسخرية، وليست دموعها مشهدًا للتندر، وليست وقفتها أمام اللجنة دليلًا على جهل أو مبالغة، بل علامة على خلل أكبر من فرد وأعمق من رصيف مدرسة.

وحين نبلغ مجتمعًا يسخر من خوف الأمهات بدل أن يطمئنهن، فعلينا أن نراجع قسوة خطابنا قبل أن نراجع أماكن انتظارهن.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان