لماذا يشجع الفلسطينيون منتخب مصر؟
ليست كل العلاقات بين الشعوب بحاجة إلى معاهدات أو اتفاقيات حتى تترسخ. بعضها يُبنى ببطء في الوجدان، حتى يصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية، تتناقله الأجيال كما تتناقل الحكايات. ومن هذا النوع العلاقة التي تربط الفلسطينيين بمنتخب مصر لكرة القدم؛ علاقة لا يمكن تفسيرها بمنطق الرياضة وحدها، ولا بقياس عدد البطولات أو النجوم، بل بتاريخ طويل جعل مصر، بالنسبة للفلسطينيين، أكثر من دولة عربية، وجعل منتخبها أكثر من فريق يبحث عن الفوز.
ولذلك، عندما رفع المدير الفني للمنتخب المصري حسام حسن العلم الفلسطيني بعد انتصار منتخب بلاده، لم يكن المشهد بالنسبة للفلسطينيين مجرد احتفال عابر. كان إعلانًا صامتًا بأن فلسطين لا تزال حاضرة في الضمير المصري، وأن الرياضة، مهما بلغت احترافيتها، لا تستطيع أن تنزع عن أصحابها هويتهم أو أن تعزلهم عن قضايا أمتهم.
وربما لهذا السبب تحديدًا، لم يكن الغضب الإسرائيلي من تلك الصورة موجَّهًا إلى قطعة قماش بألوان أربعة، بل إلى المعنى الذي حملته. فالعلم الفلسطيني، حين يُرفع في أكبر المحافل الرياضية، يتحول إلى رسالة تقول إن هناك قضية لم تنجح الحروب ولا الدعاية ولا محاولات التهميش في إخراجها من الوعي العربي.
لكن السؤال الأهم ليس لماذا رفع حسام حسن العلم الفلسطيني، بل لماذا شعر ملايين الفلسطينيين أن الرجل عبّر عنهم كما عبّر عن المصريين؟
الإجابة تبدأ من التاريخ، ولا تنتهي عند كرة القدم.
فالفلسطيني الذي يشجع منتخب مصر لا يفعل ذلك لأنه لا يملك منتخبًا وطنيًا، ولا لأنه يبحث عن بديل يحقق له الانتصارات. فالمنتخب الفلسطيني، رغم ظروف الاحتلال، يمثل كرامة وطنية لا ينافسها أحد. لكن تشجيع مصر يأتي من مساحة مختلفة تمامًا؛ من شعور بأن نجاحها هو امتداد لنجاح عربي طالما كانت فلسطين جزءًا من قلبه.
منذ النكبة عام 1948، لم تكن مصر بالنسبة للفلسطينيين مجرد دولة مجاورة. كانت شريكًا في التاريخ، وفي الحروب، وفي السياسة، وفي الثقافة، وفي تفاصيل الحياة اليومية. آلاف الفلسطينيين درسوا في الجامعات المصرية، وتلقوا العلاج في مستشفياتها، وتربوا على أغانيها وأفلامها ولهجتها، حتى أصبحت القاهرة بالنسبة لأجيال كاملة نافذة على العالم العربي، لا مجرد عاصمة لدولة شقيقة.
ولهذا، حين دخلت كرة القدم البيوت الفلسطينية، دخلت معها الكرة المصرية. لم يكن الطفل الفلسطيني يحفظ أسماء لاعبي الأهلي والزمالك فقط لأنهم نجوم، بل لأن الإعلام المصري كان حاضرًا في كل بيت، ولأن الكرة المصرية كانت الأقرب إلى وجدانه، والأكثر شبهًا بطموحه.
كبرت أجيال فلسطينية وهي تهتف لمحمود الخطيب، ثم لحسام وإبراهيم حسن، ثم لحسن شحاتة وهو يصنع مجدًا أفريقيًا، ثم لمحمد أبو تريكة الذي نجح في أن يربط بين الموهبة والموقف. لم يكن أبو تريكة بالنسبة للفلسطينيين لاعبًا عظيمًا فحسب، بل كان إنسانًا جعلهم يشعرون بأن هناك من يتحدث باسمهم في زمن اختار فيه كثيرون الصمت.
ثم جاء محمد صلاح، ليمنح الفلسطينيين سببًا آخر للفخر. ليس لأنه أكثر اللاعبين تتويجًا، بل لأنه أثبت أن العربي قادر على أن يكون في قمة العالم دون أن يتنكر لهويته أو ثقافته أو جذوره.
ورغم أن كرة القدم الحديثة أصبحت صناعة عالمية، تتراجع فيها الحدود الوطنية أمام عقود الاحتراف والاستثمارات العابرة للقارات، فإن المنتخبات الوطنية ما زالت تحتفظ بشيء لا تستطيع الأندية شراءه: الذاكرة.
فالمنتخب ليس مجرد أحد عشر لاعبًا، بل هو صورة مختصرة لوطن بأكمله. وكل هدف يسجله، وكل نشيد يُعزف قبل المباراة، وكل علم يُرفع بعد الفوز، يعيد إنتاج فكرة الانتماء في زمن تتآكل فيه الهويات تحت ضغط العولمة.
لهذا، يصبح للمواقف الرمزية قيمة استثنائية. فاللاعب أو المدرب لا يحمل فقط مسؤولية الفوز، بل يحمل أيضًا مسؤولية تمثيل الضمير الجمعي لشعبه. وعندما اختار حسام حسن أن يرفع العلم الفلسطيني، لم يكن يقوم بفعل سياسي بقدر ما كان يعبر عن هوية مصرية عرفت، عبر تاريخها الحديث، أن فلسطين ليست خبرًا خارجيًا، بل جزء من وجدانها القومي.
وفي المقابل، لم يتعامل الفلسطينيون مع هذا المشهد باعتباره منّة أو مجاملة، بل باعتباره استمرارًا لمسار طويل من المواقف الشعبية المصرية التي بقيت ترى في فلسطين قضية عدالة وحرية، قبل أن تكون قضية حدود وجغرافيا.
ولعل أكثر ما يميز العلاقة بين الفلسطينيين والمنتخب المصري أنها لم تتأثر كثيرًا بتقلبات السياسة أو اختلاف الحكومات. فالأنظمة قد تتغير، والسياسات قد تتبدل، لكن الشعوب تحتفظ بذاكرة أطول عمرًا من الحكومات. ولهذا ظل المصري، في الخيال الفلسطيني، أخًا أكبر، وظلت انتصارات المنتخب المصري تحمل شيئًا من الفرح الفلسطيني أيضًا.
وليس من المبالغة القول إن مباريات مصر الكبرى تتحول في فلسطين إلى مناسبات وطنية غير معلنة. في المقاهي، وفي البيوت، وحتى في المخيمات، يرتفع التوتر مع كل هجمة، ويعلو التصفيق مع كل هدف، وكأن الفريق يرتدي اللونين الأحمر والأبيض ومعهما ألوان العلم الفلسطيني. إنها ليست عاطفة رياضية عابرة، بل امتداد لفكرة أعمق: أن الشعوب التي تشترك في الذاكرة، تتشارك أيضًا الفرح.
وربما لهذا السبب، لم يحتج حسام حسن إلى أن يشرح دوافعه، ولم يحتج الفلسطينيون إلى تفسير مشاعرهم. فبعض الصور تكون أبلغ من المقالات، وبعض المواقف تختصر تاريخًا كاملًا في لحظة واحدة.
وهكذا، يبقى المنتخب المصري، بالنسبة للفلسطينيين، أكثر من منتخب عربي. إنه صفحة من كتاب طويل عنوانه الأخوة، كتبت فصوله الدماء المشتركة، والثقافة المشتركة، والمواقف المشتركة، وجاءت كرة القدم لتضيف إليه فصلًا جديدًا يؤكد أن ما يجمع الشعبين أكبر بكثير من نتائج المباريات، وأن الأعلام التي ترتفع في لحظات الانتصار ليست مجرد رموز للدول، بل ذاكرة شعوب لا تزال تؤمن بأن القضايا العادلة تعيش في القلوب قبل أن تُكتب في البيانات.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع