إعلان

باعوا الإنسان باسم الله

محمد جادالله

كتب - محمد جادالله

07:00 م الإثنين 08 يونيو 2026

في عالم يضج بالشعارات الدينية، يا صديقي، تبدو بعض الأفكار أكثر قدرة على إخفاء حقيقتها خلف ستار المقدس. ومن بين هذه الأفكار تبرز اليهودية بصيغتها الصهيونية المعاصرة بوصفها واحدة من أكثر النماذج إثارة للجدل؛ فهي تتحدث كثيرا عن «شعب الله المختار»، لكنها في الممارسة تنتهي إلى صورة مختلفة تماما: صورة «الإله الذي باع الإنسان». فحين يتحول الوحي إلى صفقة، والدين إلى أداة لحماية المصالح، لا تبقى المسافة بعيدة بين المقدس والسياسة، ولا بين الإيمان والهيمنة.

المأساة، يا عزيزي، لم تبدأ من الإيمان نفسه، بل من الطريقة التي أُعيد بها تفسيره عبر القرون. ففكرة «الاختيار الإلهي» التي كان يمكن أن تُفهم باعتبارها تكليفا أخلاقيا، تحولت تدريجيا إلى امتياز حصري، وإلى شعور بالتفوق على بقية البشر. وهكذا جرى اختزال العلاقة مع السماء في علاقة منفعة: طاعة مقابل أرض، وعبادة مقابل سلطة، وعهد مقابل تمكين. لم يعد الإنسان هو الغاية، بل صار مجرد وسيلة داخل مشروع أكبر يرفع شعار الدين ويبحث عن النفوذ.

ومن هنا يظهر ذلك «الإله» الذي تقدمه بعض التفسيرات اليهودية القديمة والمعاصرة؛ إله يقاتل من أجل الأرض أكثر مما يدافع عن الحق، وينتصر للعرق أكثر مما ينتصر للعدالة. وحين يصل الأمر إلى هذه النقطة، يصبح الدم جزءا من المعادلة، ويغدو القتل قابلا للتبرير ما دام يُقدم باعتباره تنفيذا لوعد مقدس.

وهنا، يا صديقي، لا بد من توضيح مهم حتى لا يختلط المعنى. فنحن نتحدث عن «الإله» لا عن «الله». فالله في العقيدة الإسلامية هو الخالق الواحد الأحد، المنزه عن الظلم والتحيز والنقص، رب البشر جميعا بلا استثناء. أما «الإله» كما يظهر في بعض التصورات التوراتية القديمة، فهو كيان يرتبط بقومية محددة، ويتعامل مع الآخرين باعتبارهم خصوما أو شعوبا أدنى منزلة. لذلك فالفارق بين اللفظين ليس لغويا فقط، بل هو فارق بين رؤية تجعل الإنسان غاية، وأخرى قد تحوله إلى أداة.

ولو تأملت التاريخ، يا عزيزي، فستجد أن هذا التصور لم يبق حبيس الكتب. ففكرة «العهد الإلهي» تحولت مع الزمن إلى مبرر سياسي واسع النطاق. كل توسع، وكل استيطان، وكل محاولة لفرض الأمر الواقع على الأرض الفلسطينية، جرى تقديمها باعتبارها تنفيذا لوعد سماوي. وما نقرؤه في بعض الروايات القديمة عن الحروب والإبادة، يجد كثيرون صداه اليوم في واقع تُهدم فيه البيوت وتُقصف المدن ويُقتل المدنيون تحت الشعارات نفسها، وإن اختلفت الأدوات والأزمنة.

ومع صعود الصهيونية الحديثة، ازداد هذا الخلط بين المقدس والسياسي. تحولت الأرض إلى عقيدة، وتحول التاريخ إلى سلاح، وتحولت النصوص إلى وثائق ملكية يُستدعى بعضها ويُهمل بعضها الآخر وفق ما يخدم المشروع القائم. لم يعد الوحي رسالة هداية بقدر ما صار أداة تعبئة، ولم تعد القدس رمزا روحيا فقط، بل تحولت إلى عنوان لمشروع سلطوي واسع.

ولعل أخطر ما في هذا كله، يا صديقي، أنه لا يكتفي بإنتاج العنف، بل يعيد تشكيل صورة الإله نفسها في أذهان الناس. فحين يُقدم الرب بوصفه منحازا لقوم ضد قوم، وموافقا على الظلم ما دام يخدم «الشعب المختار»، فإن صورة العدالة الإلهية تتشوه، ويصبح المقدس نفسه جزءا من الأزمة بدل أن يكون جزءا من الحل.

لكن الحقيقة أبسط وأعمق من كل ذلك. فالإله الحق لا يُقاس بالحدود، ولا يُختزل في عِرق، ولا يحتاج إلى دماء الأبرياء ليُثبت حضوره في التاريخ. الإله الحق لا يبيع الإنسان، بل يكرّمه. لا يمنح بعض البشر حق احتقار الآخرين، بل يحمل الجميع مسؤولية العدل والرحمة والكرامة.

ولهذا تبقى القضية أبعد من صراع سياسي أو نزاع على الأرض. إنها معركة على معنى الإنسان نفسه، وعلى صورة الإله التي نريد أن نحملها في وعينا. فهل يمكن لعقيدة تدعي القداسة أن تبرر اقتلاع شعب كامل؟ وهل يصبح الوعد إلهيا حقا إذا كان طريقه يمر فوق أجساد الأطفال وركام البيوت؟

ذلك سؤال لا ينبغي أن يُطرح على الفلسطيني وحده، بل على العالم كله.

وإذا كان الوعد المقدس يحتاج إلى مدينة مدمرة، وأم ثكلى، وطفل يُنتشل من تحت الأنقاض كي يتحقق، فهل المشكلة في الإنسان الذي يرفض هذا الوعد... أم في الوعد نفسه؟

كم طفلا يجب أن يُدفن تحت الركام... حتى يتوقف العالم عن تسمية الدم وعدا إلهيا؟

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

عفوا.. لا يوجد مباريات اليوم

إعلان