إعلان

سقوط الوعي.. البداية الحقيقية لكل أزمة

مصطفى صلاح

كتب - مصطفى صلاح

08:03 م الخميس 04 يونيو 2026

لا تُولد الأزمات الكبرى في المجتمعات فجأة، ولا تنشأ الانهيارات من فراغ، بل تبدأ دائما بتغيرات صغيرة ومتراكمة تصيب منظومة الوعي والقيم والسلوك. فالمجتمع لا يفقد توازنه عندما يواجه تحديات اقتصادية أو سياسية فحسب، وإنما عندما تتراجع مكانة العقل، ويضعف احترام المعرفة، ويصبح الضجيج أعلى صوتا من الحكمة، وتتحول الشهرة إلى بديل عن القيمة، والانفعال إلى بديل عن التفكير.

لقد شهدت السنوات الأخيرة تغيرات عميقة في طبيعة الحياة اليومية وفي مصادر تشكيل الوعي، خصوصا لدى الأجيال الشابة. ففي الماضي كانت الأسرة والمدرسة والكتاب والصحافة الجادة من أهم الأدوات التي تساهم في بناء الشخصية وتكوين الرأي، أما اليوم فقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية تحتل المساحة الأكبر من حياة ملايين الشباب، وتؤثر بشكل مباشر في أفكارهم وطموحاتهم ونظرتهم إلى النجاح والحياة.

المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، فهي أداة يمكن أن تُستخدم في المعرفة كما يمكن أن تُستخدم في الترفيه، لكن الخطر يظهر حين تصبح السرعة أهم من الفهم، وحين يتحول الإنسان إلى مستهلك دائم للمحتوى دون أن يمتلك القدرة على التحليل أو النقد أو التمييز. ففي عالم تحكمه المشاهدات والإعجابات والتفاعلات السريعة، لم يعد المعيار دائما هو جودة الفكرة أو قيمة المضمون، بل قدرة المحتوى على جذب الانتباه خلال ثوانٍ معدودة.

ومع مرور الوقت، انعكس ذلك على طبيعة النماذج التي يتابعها الشباب ويعتبرونها قدوة. فبدلا من أن يحتل أصحاب العلم والخبرة والإنجاز مواقع الصدارة، أصبح كثير من أصحاب المحتوى الصاخب أكثر حضورا وتأثيرا، ليس لأنهم يقدمون معرفة حقيقية، بل لأنهم يجيدون إثارة الجدل وجذب الانتباه. وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية، حين يصبح الانتشار معيارا للقيمة، وحين تختلط الشهرة بالنجاح، ويختفي الفارق بين المؤثر الحقيقي والمؤثر المصنوع.

في هذا المناخ، لم تعد البلطجة تُمارس فقط في الشوارع أو عبر العنف المباشر، بل أصبحت لها أشكال أخرى أكثر انتشارا وأقل وضوحا. هناك بلطجة لفظية تمارس عبر الإهانة والسخرية والتقليل من الآخرين، وبلطجة إلكترونية تظهر في حملات التنمر والتشهير والتحريض، وبلطجة فكرية تحاول إقصاء كل رأي مختلف وفرض رؤية واحدة باعتبارها الحقيقة المطلقة. ومع تكرار هذه الممارسات، يفقد المجتمع تدريجيا ثقافة الحوار، ويتحول الاختلاف الطبيعي إلى حالة من العداء والانقسام.

ولا يمكن فصل هذه الظواهر عن تراجع قيمة الكلمة في الحياة العامة. فقد أصبح كثير من النقاشات قائما على الصراخ بدل الحجة، وعلى السخرية بدل الإقناع، وعلى الهجوم الشخصي بدل مناقشة الأفكار. وهكذا فقدت اللغة جزءا من دورها الحضاري، وتحولت في أحيان كثيرة إلى وسيلة للاستفزاز أو الاستعراض أو تصفية الحسابات. والحقيقة أن المجتمعات التي تفقد احترام الكلمة، تفقد معها جزءا مهما من قدرتها على التفاهم والتعايش.

وفي الوقت نفسه، تراجعت مكانة القراءة والمعرفة العميقة أمام سطوة المحتوى السريع. لم يعد كثير من الشباب يجد الوقت أو الرغبة في قراءة كتاب أو متابعة نقاش فكري جاد، ليس بسبب ضعف قدراتهم، بل لأنهم يعيشون في بيئة تشجع على الاستهلاك السريع للمعلومات. وأصبحت المعرفة بالنسبة للبعض مجرد عناوين مختصرة أو مقاطع قصيرة، بينما تراجعت مساحة التأمل والتفكير والتحليل. ومع الوقت، نشأت حالة من الاكتفاء السطحي بالمعلومات، حتى بات البعض يعتقد أنه يعرف كل شيء بينما هو لا يمتلك سوى أجزاء متناثرة من المعرفة.

والأخطر من ذلك أن الجهل نفسه لم يعد يُنظر إليه باعتباره مشكلة تستحق المواجهة، بل أصبح أحيانا جزءا من المشهد المقبول، بل والمحبوب. فالمعلومة الخاطئة تنتشر بسهولة، والرأي غير المتخصص يجد من يصفق له، والسخرية من المعرفة أصبحت في بعض الأحيان أكثر جاذبية من البحث عنها. وهكذا يتراجع احترام التخصص والخبرة، ويصبح الحديث في القضايا المعقدة متاحا للجميع بالقدر نفسه، بغض النظر عن حجم المعرفة أو الفهم.

وقد انعكس كل ذلك على الذوق العام الذي يمثل أحد أهم مؤشرات صحة المجتمعات. فالذوق ليس مسألة شكلية أو رفاهية كما يعتقد البعض، بل هو انعكاس مباشر لمستوى الوعي والثقافة. وعندما يعتاد الناس الضوضاء والفوضى والابتذال، يفقدون تدريجيا قدرتهم على تمييز الجمال من القبح، والراقي من السطحي، والمفيد من الضار. وهذا ما يجعل معركة الوعي أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنها ليست معركة أفكار مجردة، بل معركة تتعلق بشكل الحياة نفسها.

إن بناء مجتمع قوي لا يبدأ من المشروعات الكبرى وحدها، ولا من المؤشرات الاقتصادية فقط، بل يبدأ من بناء الإنسان القادر على التفكير والنقاش والاختيار. فالوعي هو الحصن الحقيقي ضد التطرف والجهل والعنف والانقسام. والثقافة ليست رفاهية يمكن تأجيلها إلى وقت الفراغ، بل هي ضرورة لحماية العقول وصناعة المستقبل. وكل كتاب يُقرأ، وكل فكرة تُناقش، وكل حوار محترم يُدار، هو خطوة إضافية نحو مجتمع أكثر نضجا وقدرة على مواجهة تحدياته.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الأمم لا تنهض فقط بما تملكه من موارد، بل بما تملكه من عقول واعية. فحين يحضر الوعي، يصبح الاختلاف مصدرا للإثراء لا للصراع، وتصبح المعرفة طريقا للتقدم لا عبئا يمكن الاستغناء عنه، ويصبح الإنسان أكثر قدرة على رؤية الواقع كما هو، لا كما يريد الضجيج أن يراه. وعندها فقط يصبح المستقبل أكثر وضوحا، وتصبح المجتمعات أكثر قدرة على حماية نفسها من كل ما يهدد هويتها واستقرارها.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان