عودوا إلى سقراط
لا كلمة يمكن بها وصف ما يجري بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، منذ بدء الأولى حربها على الثانية، سوى كلمة العبث!
فالعبث هو أن تعلن الولايات المتحدة أن مذكرة التفاهم الموقعة بينهما تشتمل على البرنامج النووي الإيراني، فتعلن حكومة المرشد في طهران، في المقابل، أن برنامجها النووي خارج المذكرة، وأنه خط أحمر بالنسبة لها ولكل مواطن إيراني!
والعبث للمرة الثانية هو أن يعلن الرئيس ترمب أنه سيفرج عن أموال إيرانية مجمدة، وأن الإيرانيين سيشترون بهذه الأموال سلعا من المزارع الأمريكي، فتعلن إيران، في المقابل أيضا، أن ذلك غير صحيح، وأن ترمب لا يمكنه تحديد الطريقة التي يتم بها إنفاق الأموال عند الإفراج عنها!
والعبث للمرة الثالثة هو أن تعلن الإدارة الأمريكية أنه لا رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز، فيعلن نائب برلماني في لجنة الخطة والموازنة البرلمانية الإيرانية، أن حكومة بلاده قررت فرض رسوم على كل سفينة تعبر المضيق، وأن هذه الرسوم سوف تكون من مليون ونصف المليون دولار إلى مليونين على كل سفينة تعبر المضيق!
ولم يشأ العضو البرلماني أن يتوقف عند هذا الحد، ولكنه أكمل كلامه فقال إن مجمل عائد الرسوم على الخزانة العامة الإيرانية سيصل إلى سبعة مليارات دولار!.. وهكذا، فالشخص الذي أعلن ذلك عضو في البرلمان، بل عضو في لجنة الخطة والموازنة المعنية بمثل هذه القضية المالية، وليس شخصا عابرا يمكن أن يقال عن كلامه إنه كلام إنشائي بلا قيمة.. ولا يمكن أن يكون قد حدد مقدار الرسوم على كل سفينة، ومجمل العائد من الرسوم، من دماغه أو من تلقاء نفسه، ولذلك فما قاله، ولم يتوقف عنده أحد بما يكفي، يعبر عن شيء يشغل الحكومة في طهران.. وقد يكون هذا الشيء مجرد فكرة، ولكنه يمكن أن يتحول إلى إجراء على الأرض بعد الغد، إذا لم يتحول اليوم أو في الغد!
والعبث للمرة الرابعة هو أن تعود إدارة ترمب إلى قصف أهداف إيرانية أول هذا الأسبوع، فترد إيران بقصف أهداف في الخليج، رغم مذكرة التفاهم الموقعة بين أمريكا وإيران!
يجري تبادل القصف فلا تسقط مذكرة التفاهم، ولا يتوقف الطرفان عن الذهاب إلى جنيف لاستئناف ما بدأ بينهما بعد توقيع المذكرة!
والعبث للمرة الخامسة أن تقصف إيران البحرين مثلا، عندما أرادت أن ترد على القصف الأمريكي، مع أن البحرين لم تقصف الأهداف الإيرانية، ولم تكن شريكة في قصفها، ولا أعلنت موافقتها على القصف، ولا شيء من هذا كله أبدا!
والعبث للمرة السادسة أن يعلن الطرفان الانتصار عند توقيع المذكرة وبعدها، فلا تعرف أنت كمتابع من منهما المنتصر، ولا من منهما المنهزم؟.. إذ لا يعقل في أي حرب أن يخرج طرفاها منتصرين.. لا يعقل ولا المنطق يقبله.. وإلا، فإن علينا أن نعود إلى طريقة سقراط في تعريف الأشياء ابتداء، فنحدد بالضبط معنى الانتصار، ثم نتكلم عنه بعد ذلك لا قبل!
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع