إعلان

من خسر الحرب؟

د. أحمد إبراهيم

كتب - د. أحمد إبراهيم

07:00 م الخميس 18 يونيو 2026

تبدو الأجواء أكثر هدوءا بالمنطقة بعد شهور من الأحداث المشتعلة والممتلئة بكثير من الدمار والدماء والضغوط الاقتصادية نتيجة للحرب المدمرة متعددة الأطراف في شتاء هذا العام، حرب تشابكت أطرافها وتقاطعت فيها المصالح في محاولة لإعادة تشكيل المنطقة بشكل جديد يضمن التفوق والسيطرة على مقدرات الإقليم للدولة العبرية ووكلائها في النصف الغربي من الكرة الأرضية.

لكن نهاية تلك الحرب بموجب اتفاق السلام تشير بشكل واضح إلى أن تلك النهاية قد تكون نهاية مؤقتة، فالدولة الإيرانية تخرج منها بشكل أكثر تماسكا بعد أن كانت على شفا انهيار للنظام السياسي القائم، متسلحة بقدرات عسكرية لم تتمكن الولايات المتحدة ذات القوة العسكرية الكاسحة من كسرها على مدار الثلاثة أشهر الماضية، بل أضرت بشكل كبير بعمق الدولة العبرية ولفكرة التفوق الإسرائيلي العسكري بالمنطقة، وأظهرت هشاشة القدرات الدفاعية الإسرائيلية، بل وعدم قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن الكيان العبري والقواعد العسكرية الأمريكية بالمنطقة، وأتاحت للإيرانيين إظهار مدى قدرتهم على التأثير المباشر على الاقتصاد العالمي ومسارات نقل الطاقة بالعالم، من خلال إغلاق مضيق هرمز والإضرار المباشر والعمدي بمنشآت الطاقة بدول الخليج العربي، ليخرج النظام الإيراني من تلك الحرب في صورة الطرف المنتصر نسبيا.

فمع احتفاظ إيران بقدراتها الصاروخية التي وصلت بها لكل الأماكن المؤثرة بالدولة العبرية والقواعد الأمريكية بالخليج العربي، وكذلك حفاظها وحمايتها لوكلائها بالمنطقة سواء باليمن ولبنان، وتدخلها عسكريا بشكل مباشر وقصف إسرائيل حتى تضمن إدراج لبنان في معادلة وقف إطلاق النار، ووجودها طبقا للاتفاق كطرف فاعل في إدارة المرور بالمضائق البحرية في المنطقة، والإفراج عن جزء من أموالها المجمدة، حصل النظام الإيراني على أكثر ربما من تقديراته لتبعات تلك الحرب.

في حين تبدو الدولة العبرية بعد قرابة الثلاثة أعوام من الحروب التي طالت العمق الإسرائيلي لأول مرة منذ نشأة هذا الكيان، في حالة من التفكك الداخلي سياسيا وعسكريا، فالشيء الملموس الوحيد لتلك الحرب الممتدة وأهدافها التوسعية بالنسبة لإسرائيل كان السيطرة على جبل الشيخ وبعض القرى بالجنوب السوري، في حين فشل الهدف الأكبر بتحييد وإنهاء القدرات العسكرية لأحد القوى التاريخية الثلاث بالمنطقة وهي إيران كسياق تمهيدي للانفراد بالقوتين التاريخيتين لاحقا، بل بدا واضحا عدم وجود أي عمق استراتيجي أو ديموغرافي للدولة العبرية يمكن الاعتماد عليه في تلك المواجهات، خاصة مع وضوح عدم استعداد الحليف الأمريكي والاقتصاد العالمي لحرب استنزاف طويلة الأمد قد تؤثر عليه داخليا بشكل مباشر، وكذلك تضرر الصورة الذهنية البراقة التي قامت ماكينات الدعاية الإعلامية ومالكوها برسمها للدولة العبرية عالميا، وظهور مشاعر معادية بشكل واضح لها ولمواطنيها، خاصة بين الأجيال الجديدة ورؤيتهم لإسرائيل كدولة مشعلة للحروب تفتخر بجرائم الحرب وتحتفي بمرتكبيها، دولة قامت في الأساس على فكرة التميز العرقي والاحتلال والإبادة لغيرها، لتخرج الدولة العبرية في صورة الطرف صاحب الخسائر الأكبر من تلك الحرب، باحثة عن مكان جديد لحروبها التي لا تنتهي.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان