كانت المملكة تقول ولا تزال
إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يريد الربط بين الاتفاق مع إيران، وبين إطلاق السلام الإبراهيمي مع دول عربية جديدة، فهو كمن يضع الزيت مع الماء، ثم يتصور أنهما سوف يلتقيان.
الرئيس ترمب يسمي عددا من الدول، ولا يتوقف عند حدود الدول العربية وحدها، ولكنه يضم إليها دولا إسلامية غير عربية، ثم يدعوها جميعا إلى عقد اتفاقيات سلام إبراهيمي مع إسرائيل، وبالعربي الفصيح يدعوها إلى التطبيع مع تل أبيب.
وحين يخرج الأمر على هذه الصورة من البيت الأبيض إلى الناس هنا في المنطقة، فإن ذلك يدل على شيئين أساسيين، أولهما أن ترمب يتخيل أن إطلاق اتفاقيات سلام إبراهيمي جديدة سيكون بالسهولة نفسها التي انطلقت بها اتفاقيات السلام الإبراهيمي في السنة الأخيرة من رئاسته الأولى. إنه ينسى أننا في ٢٠٢٦ لا في ٢٠٢٠، وأن ما جاز هناك لا يجوز هنا بالضرورة.
والشيء الثاني أن الربط بين الاتفاق مع إيران، وبين إطلاق اتفاقيات سلام إبراهيمي جديدة، يبدو نوعا من الهروب الأمريكي إلى الأمام. والهروب هنا ليس إلا من عدم القدرة على توقيع اتفاق مع الإيرانيين، يحقق ما وعد به الرئيس الأمريكي عند بدء الحرب على إيران.
المنطق السياسي يقول إنه لا يمكن الذهاب إلى اتفاقيات سلام إبراهيمي جديدة، ما لم تسبقها مراجعة أمينة للاتفاقيات الأربع التي جرت في ٢٠٢٠ بين تل أبيب وأربع عواصم عربية، ثم لم يكن لها عائد يذكر على مستوى الهدف الأساسي منها، أو الذي نفترض أنه كان هدفا أساسيا وراءها. ولا هدف بالطبع غير القضية في فلسطين، التي إذا لم تكن في القلب من أي اتفاقية بهذا المسمى، فلا شيء سوف يتغير في المنطقة، ولا أمن سوف تعرفه إسرائيل، ولا استقرار سوف يجد طريقه إلى منطقتنا.
هذا هو الأصل في الموضوع كله، ولكن لأن إسرائيل تغض بصرها عنه، فهي تكتشف أن الاتفاقيات الأربع السابقة لا تشجع أحدا في المنطقة العربية، ولا في الدائرة الإسلامية الأوسع، على أن يلتحق بقطار الاتفاقيات الذي بالكاد يراوح مكانه، ولا يمكن الحديث عن أنه قطع خطوة واحدة إلى الأمام في القضية الأم في فلسطين.
لا يمكن، وإلا فلو كان قد قطع خطوات، أو حتى خطوة واحدة في هذا الاتجاه، ما كان هناك مبرر لطوفان الأقصى الذي أطلقته حركة حماس بعد الاتفاقيات الأربع بثلاث سنوات، ولم يكن إطلاق طوفان الأقصى في موعده إلا تعبيرا، في جانب من جوانبه، عن اليأس الذي استبد بعدد ممن ينتسبون إلى القضية الأم.
وإذا كانت إدارة الرئيس ترمب عاجزة عن تحقيق اختراق في الاتفاق مع إيران، أو تجد صعوبة في تحقيق اختراق، فهذا ليس مبررا للتعسف في ربط أشياء لا يمكن ربطها ببعضها البعض، ومن قبيل ذلك أن يقال هذا الكلام الغريب على لسان الرئيس الأمريكي عن ربط الاتفاق مع إيران بالمسارعة إلى عقد اتفاقيات سلام إبراهيمي جديدة.
وقد كانت المملكة العربية السعودية واضحة تماما، كلما وجدت أن الجانب الأمريكي يدعوها إلى الانضمام لاتفاقيات السلام الإبراهيمي.
كانت ولا تزال تقول ما معناه، أن انضمامها إذا حدث فلن يحدث من أجل الانضمام في حد ذاته، وإنما لغاية من وراء ذلك، وكانت ولا تزال تقول إن الغاية هي التوصل إلى حل عادل في القضية الأم، وإنه حل لن يتيسر إلا بإطلاق مسار سياسي له أول وله آخر ينتهي بإقامة دولة فلسطينية. عند ذلك، بل عند ذلك فقط، يمكن الحديث عن انضمام، أو عن تطبيع، أو عن شيء من هذا كله. أما قبل ذلك، فلا جدوى في الحقيقة من إطلاق اتفاقيات جديدة ولا من الانضمام بالتالي.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع