السياسة الغائبة في الخليج
لا أحد يستطيع أن يخمن كيف سينتهي هذا الشد والجذب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وحكومة المرشد في طهران. لا أحد يستطيع أن يخمن؛ لأن ما يريده ترمب من الحكومة الإيرانية هو بالضبط ما لا تريده هي، وتعلن ذلك وتكرره!
فهو يريد منها أن تفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وألا تكون الملاحة فيه برسوم كما يريد الإيرانيون، وإنما ملاحة حرة بغير أي رسوم، مثلما كانت في المضيق دائما.
ولكن الإيرانيين، في المقابل، يعلنون أنهم سيتحكمون في المرور من المضيق، وأن المرور سيكون برسوم، وقد وصلوا في رغبتهم في التحكم في المرور إلى حد أنهم أعلنوا إنشاء هيئة إيرانية تختص بالمضيق وبالمرور فيه! .. طبعا ما يعلنونه بهذا الشأن لا يصطدم بإدارة ترمب وحدها، وإنما يصطدم بالعالم كله!
فمضيق هرمز ليس مضيقا إيرانيا، ولكنه مضيق دولي يمر في مياه دولية، وإذا كانت إيران تطل على شاطئه الشرقي، فسلطنة عمان ومعها الإمارات تطلان على الشاطئ الغربي، وبالتالي، فهو ليس إيرانيا، ولا تجري مياهه في أرض إيرانية، والقانون الدولي يرفض تماما ما تفكر فيه حكومة المرشد، ولا يُقر به ولا يوافق عليه.
ومع ذلك، فالإيرانيون يتصرفون بمنطق أن حرب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل عليهم قد كشفت لهم عن أهمية ورقة المضيق، وأنهم لذلك يلعبون بها، ويوظفونها، ويحاولون الحصول على مكاسب من ورائها.. وهذا قد ينفع لفترة، ولكنه لن يمشي طول الوقت، لأنه كما قلت يصطدم بالعالم لا بأمريكا وحدها.
هذا عن المضيق الذي تشد إيران فيه من ناحية، وتتشدد فيه الولايات المتحدة من الناحية الثانية، وفي النهاية سوف يكون هناك طرف غالب، فاللعبة لا يمكن أن تستمر هكذا طول الوقت، وتعطل المرور في المضيق الذي يربط الخليج العربي بخليج عمان ثم بالمحيط الهندي يوشك أن يؤدي إلى أزمة غذاء عالمية، لأن أكبر مصنع لأسمدة اليوريا موجود في قطر، ولا طريق الآن يمكن أن تمر منه الأسمدة إلى العالم إلا مضيق هرمز!
وأما السلاح النووي الإيراني فهو مشكلة أخرى، وهو مشكلة المشاكل إذا شئنا تسميتها بمسماها الصحيح.. فالولايات المتحدة مصممة على ألا تمتلك إيران سلاحا نوويا، بل ومصممة على نقل اليورانيوم عالي التخصيب من إيران إلى خارجها.. والإيرانيون متمسكون في مفاوضاتهم مع الأمريكيين ليس فقط بورقة المضيق، وإنما بورقة اليورانيوم أيضا!
إنهم يعلنون أنهم لا ينوون امتلاك سلاح نووي، ويقولون إن هناك فتوى للمرشد خامنئي تحرم هذا السلاح، فإذا قيل لهم: أخرجوا اليورانيوم عالي التخصيب من عندكم إذن، رفضوا وتمسكوا بالرفض إلى أبعد مدى!
العالم يجد نفسه أمام عُقدة ضخمة، والمشكلة أن السياسة تبدو غائبة عن الحل، وإذا لم تحضر السياسة في الحل، فالصدام واقع لا شك، وهو صدام سيدفع العالم كله ثمنه لا الولايات المتحدة وإيران وحدهما!
السياسة في حاجة إلى الحضور بين الولايات المتحدة وإيران، وحضورها سوف يسهل الحل ويخفف من وطأة المواجهة على العالم.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع