إعلان

مسرات الحياة البسيطة

د. ياسر ثابت

كتب - د. ياسر ثابت

11:16 م الأربعاء 07 أكتوبر 2026

ثمة مسرات بسيطة مغمورة تحت الركام، ومتناثرة في ثنايا الحياة اليومية إلى درجة أن ضعاف العقول لا يشعرون بها البتة، لأنها لا تلفت انتباه أحد ولا ينوه بها أحد ولا تتطلب مالًا من أحد.

الروائي الألماني هيرمان هسه واحد من أكثر الروائيين الذين أمضوا حياتهم في الدراسة والبحث في الذات ومعنى الحياة عبر رحلة الإنسان انطلاقًا من داخله إذا أراد تحقيق السعادة.

ولكن ما السعادة من وجهة نظر هسه؟

يختصر هيرمان هسه الأمر فيقول: «السعادة لا تأتي من الإنجازات الكبيرة أو الثراء، بل من الانتباه إلى التفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية». في مجموعة من التأملات والحكايات والقصائد المختارة ينقل إلينا هسه تأملاته الهادئة الممتعة، في كتاب يحمل عنوان «مسرات الحياة البسيطة». ويروي لنا حكايات شخصية عن تجاربه مع الحُب والخسارة والشباب والشيخوخة والصداقة والخيانة، كيف وجد السعادة في الكتب تارة، ثم وجدها في الإعراض عن الكتب والانغماس في نهر الحياة تارة أخرى.

والحقيقة، فإن الحياة خليط من التفاصيل الكثيرة: من المواقف، والأفكار والبشر، والعلاقات، والتجارب والنجاحات والأسرار والأخطاء والانكسارات.

في النهاية، فإن القدرة على الاستمتاع بمسرات الحياة البسيطة، كما يقول هسه، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بترويض النفس على عادة الاعتدال.

إن القدرة على الاستمتاع هذه تفترض أساسًا وجود أشياء لم يعد إنسان الحداثة يلتفت إليها فاختفت أو طواها النسيان، كممارسة الابتهاج، والقدرة على إظهار الحب والإعلان عنه، والارتباط بكل ما يحيط بنا بشكل شاعري.

في فصل يحمل عنوان «الرجل الذي غرق في الكتب»، يقول هسه بأسلوبه الأدبي المتفرد:

«كان ثمة رجل اعتزل ضجيج الحياة وصخبها المخيف وهو في ريعان شبابه، وانزوى في مكتبته، عاش في منزل اكتظت غرفه بالكتب، وانقطعت صلاته بكل شيء في العالم ما عدا كتبه.

ولما كان الرجل شغوفًا بالتماس الحقيقة والجمال، ارتأى أنه من الخير أن يوثق علاقته بأنبل العقول الإنسانية بدلًا من أن يصير عرضة لحوادث القدر ومصادفاته التي تسعى بين البشر في هذه الحياة، خشية أن يمسه سوء منها.

كانت كتبه جميعها بلا استثناء من المصنفات الكلاسيكية لفلاسفة الإغريق والرومان وشعرائهم، ممن أحب لغتهم، وبدا له أن عالمهم واضح ذو قوام مكتمل إلى درجة أنه عجز عن فهم سبب انصراف الناس منذ فترة طويلة عن هذه القمم الفكرية السامية، والانحراف عن طرقهم النبيلة، كان هؤلاء الكتَّاب الأقدمون قد بلغوا درجة الكمال في مجالات المعرفة والشِعر، وأما المتأخرون من أمثال جوته –على سبيل المثال- فلم يضيفوا إلى منجزهم إلا النزر اليسير».

وتحت عنوان «أغنية مسافر»، نقرأ:

«دع الشمس تشرق في القلب وحده

ودع الرياح تهب على القلب وحده

فالرياح هي التي تذرو همومي وآلامي

ولا أعظم على سطح هذه الأرض نعيمًا

من السفر بعيدًا بعيدًا».

بحكمة تحكي عن نفسها، يكتب هيرمان هسه:

«كم هي شائنة وخبيثة نظرة الرغبات البشرية إلى الأشياء!

ومع ذلك فإننا متى زهدنا في كل رغبة، ومتى نظرنا إلى كل شيء نظرة تأمل خالص، سرعان ما تهرع الأشياء إلى كشف النقاب عن روحها، ويهب الجمال إلى إماطة اللثام عن وجهه. سأضرب لك مثلًا: عندما أنظر إلى الغابة التي أرغب في شرائها، أو استئجارها، أو قطع أشجارها، أو ممارسة الصيد فيها، أو رَهنها، فإنني لا أرى الغابة نفسها في تلك اللحظة، وإنما أرى علاقة الغابة برغباتي وتطلعاتي والقلق حول ما سأنفقه لتحقيق رغبتي، ومن هنا تغدو الغابة مجرد حزمة أخشاب، ولا فرق إن كانت أخشابًا جيدة أو رديئة، صغيرة أو كبيرة.

أما إذا تجردت نفسي من أي رغبة فإني سأرمق أعماق الغابة الخضراء بنظرة ذاهلة شاردة، فأراها على حقيقتها بوصفها غابة، أي بوصفها آيةً من آيات الطبيعة ومرتعًا للنبات. أراها تجسيدًا للجمال.

وهكذا الحال مع البشر وما نراه في وجوههم؛ فالإنسان الذي أنظر إليه نظرةً ملؤها الخوف، أو الأمل، أو الرغبة، أو أرمقه بنظرة تطمع في شيء منه أو تطلب منه شيئًا، فإني لا أنظر إليه في هذه اللحظة كإنسان، فيمسي مجرد مرآة مشوشة تعكس رغبتي الكامنة في نفسي».

في فصل آخر بعنوان «مذكرات مولع بالكتب»، يقول هسه:

«حدث ذلك في ربيع سنة 1838م.

ثار الغضب في وجه مدير مكتبة «توبينجين» في اللحظة التي وقف فيها مساعد المكتبة إلى جواره، حاملًا بطاقة مشتريات الطالب «رايتينج»، ودفتر حساب الأخير مفتوح على المكتب.

دُوِّنت مشتريات الطالب رايتينج جميعها من الكتب الجميلة على مدار سبعة فصول دراسية بخط منمق وأرقام واضحة، وفي أول الحساب، لُوحِظ قيد مدفوعات لسداد ثمن الكتب المشتراة بين الحين والآخر، بعدها يُرى انقطاع عن سداد أي مدفوعات في خانة الدائن، وكان المجموع الختامي بعد خصم ما سُدِّد بالفعل يتجاوز بكثير 250 جيلدرًا، وكُتِب بالقلم الرصاص على حافة الورقة: «تاريخ الدفع مارس 1838م».

لكن اليوم كان السابع من أبريل بالفعل، وجدت رسالة ممهورة بتوقيع الطالب رايتينج تقول: «حضرة الموقر صاحب المكتبة، لقد قرأت تحذيرك للتو، وهو لا يخلو من نبرة قاسية!

هل تراني كلبًا؟ هل تعدُّني محتالًا؟ لا، أنا طالب محترم أدرس فقه اللغات، أنا شاب ذو شرف ومروءة، حتى وإن كنت معدمًا. بالمناسبة، ألا ترى أن وصف المعدن الخالي من الروح بأنه العصب الأساسي هو سبة في جبيني؟ حسنًا، سأدفع لك ما أنا مدين به، ولكن ليس قبل أن تتمكن من رؤية البرهان القاطع على حسن نواياي؛ لذا أقترح عليك أن تسترد الجزء الذي لم أعد أحتاج إليه من مكتبتي مقابل مبلغ مادي معقول، وعليه، أنتظر تشريفك بالحضور إلى منزلي غدًا بين الساعة الثانية والرابعة عصرًا، في منزلي الكائن في شارع نيكارهالدّه، رقم 8».

غلى الدم في عروق مدير المكتبة، وقرر إحالة الأمر إلى مُحضَر المحكمة لتحصيل الديون المستحقة على الطالب، لكن مساعده الذكي أقنعه بقبول اقتراح رايتينج، لقد قدَّر المساعد المسألة تقديرًا سليمًا لما رأى أن رايتينج سليل عائلة محترمة، وشاب نابغ ينبغي ألا يفرط فيه قدر الإمكان؛ لأنه سيتخرج في الجامعة بتقدير عالٍ، وربما يُكتَب له التألق وذيوع الصيت ليصبح عالمًا في فقه اللغات وكاتبًا بارعًا في غضون سنوات قليلة، ومن هنا استقر الرأي على استعادة الكتب المبيعة لرايتينج بأزهد سعر ممكن لتعويض الخسارة، وكُلِّف المساعد بتقدير قيمة الكتب والاتفاق على ما يلزم مع الطالب.

في غضون ذلك، جلس رايتينج في حجرته مكفهر الوجه، تطل نافذة غرفته على الشوارع الواسعة وسلاسل جبال الألب الخلابة التي بدأت تتألق فوق قممها تباشير فصل الربيع.

كان النهار صحوًا، والسماء زرقاء، والسحب المضيئة المخططة متألقة بألوان قوية عبر الهواء العليل الرائق، أما في الشارع فلم يكن يُسمَع إلا أصوات الأغاني المبتهجة، والأحاديث الصاخبة، وحركة العربات، وقدح حوافر الخيول المارة، وكل ذلك لأنه كان أول يوم مشمس من أيام شهر أبريل.

لم يتنبه رايتينج إلى شيء من كل هذا، ولم ينزعج كثيرًا من اتفاق مكتبة «فيتزجال»؛ إذ انهالت على رأسه تحذيرات مماثلة من جهات عدة بعد أن صار في مرمى سهام الدائنين، فشعر كأنه بعوضة عالقة في بيت العنكبوت، هذا ناهيك من القلق الذي يساوره بشأن امتحانات الفصل الدراسي التي تطرق الأبواب، ومن مطاردة الجهات الحكومية الوشيكة، ومن حدسه بوداعه الوشيك لمدينة توبينجين عما قريب، وهو ما آلمه، راح يدخن بغضب من غليونه الطويل، نصف جالس ونصف مستلقٍ فوق الأريكة المهترئة، مراقبًا بجبين مجعد تشكيلات سحب دخان الغليون المتصاعدة ببطء لتخرج من النافذة المفتوحة.

فوق جدار الغرفة المشرقة، وبين خطوط أنابيب المياه والمطبوعات الحجرية المعلقة والبورتريهات، استقرت مكتبة ثرية عامرة، تحوي إلى جانب أمهات الكتب الكلاسيكية والأعمال المختصرة مجموعة متميزة لا يُستهان بها من الأعمال التاريخية والأدبية. كان رايتينج يتمتع بميول أدبية واضحة، وانخرط بقوة في الحياة الأدبية من خلال نشر المراجعات الأدبية حينًا، ونشر المقالات في المجلات الصغيرة حينًا آخر، أطلق زفرة ونهض من مقعده المريح، وجعل يتفحص مكتبته والغليون في يده اليسرى».

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع