إعلان

هل عبرت الأعمال الفنية عن حرب أكتوبر؟

أحمد سعيد

كتب - أحمد سعيد

07:06 م الثلاثاء 06 أكتوبر 2026

بعد مرور ٥٣ عاما على حرب أكتوبر، هل نستطيع أن نقول إن الأعمال الفنية قد عبرت عنها كما ينبغي؟!

سؤال يتردد كثيرا كلما حلت ذكرى الحرب، رغم تقديم عشرات الأعمال الفنية عنها.
واللافت للنظر أنه على مستوى الغناء، فإن الأغنيات التي تم تقديمها عن الحرب كثيرة جدا، وقد تصل إلى حوالي ثمانين عملا على الأقل، منها أعمال لا تنسى ربما يكون لبليغ حمدي النصيب الأكبر منها، حسبما ذكر الناقد الفني محمد دياب.

فبمجرد الإعلان عن بدء الحرب ونجاح القوات المسلحة في عبور القناة، حتى انطلقت مشاعر المؤلفين والملحنين والمطربين، وبادر بليغ حمدي بالذهاب إلى مبنى الإذاعة والتليفزيون، ومعه الشاعر عبد الرحيم منصور لتسجيل نشيد "الله أكبر باسم الله".

والذي استوحى من صيحات الجنود في الحرب، وكذلك صيحات الشعب، عند سماع أي بيان عسكري أمام الراديو والتليفزيون.

كما اصطحب بليغ معه المطربة وردة لتغني أغنيتها الشهيرة "على الربابة"، وتم منعه من الدخول، نظرا لظروف الحرب، لكنه قام بإبلاغ الشرطة، لكي يتمكن من الدخول، حسب رواية الإعلامي الراحل وجدي الحكيم، رغم اختلاف البعض حولها.

لدرجة أن بليغ استعان بعمال البوفيه والاستديو ليقوموا بعمل الكورال، ويرددوا الأغنية لعدم استطاعته إدخال أعضاء الكورال الأصليين معه إلى مبنى التليفزيون.

والطريف هو انتشار صورة لوردة وهي تجلس على الأرض، وقد خلعت حذاءها أثناء تسجيل الأغنية، رغم أن تلك اللقطة تم تصويرها أثناء تسجيل أغنية "لولا الملامة"، في شهر مارس ١٩٧٣ وليس أكتوبر.

كما تم الاستعانة بأغنية "رايات النصر" "رايحين شايلين في إيدينا سلاح"، التي تم غناؤها قبل الحرب. وكانت ضمن أغنيات فيلم "العصفور" ليوسف شاهين.

ورغم أن الفيلم لم يكن قد عرض، إلا أن يوسف شاهين أصر على إهدائها للإذاعة، وقال إن مصر أهم من أي فيلم.

كما بادرت شريفة فاضل بتسجيل أغنية "أم البطل" بعد استشهاد نجلها الطيار.

حيث طلبت من الشاعرة نبيلة قنديل وزوجها الملحن علي إسماعيل، تقديم أغنية عن أم الشهيد.

وأثناء تسجيل الأغنية بكت شريفة، وأغمي عليها ولما فاقت كانت المطربة فايزة أحمد في الاستديو المجاور. وقالت لها "لو ماكونتيش قد الأغنية سيبيها ليا أغنيها أنا".

فتحَمست شريفة وقالت، أنا أم الشهيد وأنا الأولى بغنائها.

كما قدم عبد الحليم حافظ "عدة أغنيات منها "عاش اللي قال للرجال عدوا القنال".

ورغم أن المثار حول الأغنية، أنها كانت تتضمن مقطعا للكورال، يقولون فيه "عاش السادات"، وأن الرئيس طلب وضع اسم جميع الزعماء العرب، الذين شاركوا في الحرب مع اسمه، ولما تعذر ذلك تم كتابة عاشوا العرب.

إلا أن مؤلف الأغنية الشاعر محمد حمزة قال لي أنا شخصيا أن الرئيس السادات عندما قابله قال له مداعبا "ماكتبتش "اسمي في الأغنية ليه يا حمزة"؟! فقال له حمزة "كده الأغنية تعيش أكتر يا ريس".

بالإضافة إلى أغنية "خلي السلاح صاحي" للشاعر أحمد شفيق كامل والملحن كمال الطويل، التي تمت كتابتها أثناء وقف إطلاق النار. لذلك تضمنت مقطعا يقول "عدونا غدار خلي السلاح صاحي".

كما قدم حليم أغنية "لفي البلاد يا صبية" كلمات محسن خياط وألحان محمد الموجي.
وقدمت سعاد حسني، أغنية "دولا مين ودولا مين"، كلمات أحمد فؤاد نجم وألحان كمال الطويل.

و قدمت شادية العديد من الأغنيات، مثل "أقوى من الزمان" و"أم الصابرين" و"يا حبيبتي يا مصر"، رغم أنها كانت قبل الحرب عام ١٩٧٠. إلا أنها تعتبر من أجمل الأغنيات الوطنية، وقال لي مؤلفها محمد حمزة، أنه استحضر فيها روح معركة "رأس العش"، التي كانت قد وقعت قبلها بسنوات عام ١٩٦٧.

لذلك نجد أن الغناء قدم الكثير من الأعمال التي عبرت عن الحرب.

لكن على مستوى السينما، ورغم تقديم العديد من الأعمال المتميزة، التي كان أولها فيلم "الرصاصة لا تزال في جيبي"، لمحمود ياسين صاحب النصيب الأكبر من أفلام الحرب سواء حرب أكتوبر أو الاستنزاف، ومنها "بدور" و"الوفاء العظيم". و"أغنية على الممر" و"حائط البطولات"، وغيرها من الأعمال الوطنية.

أما آخر الأفلام التي تناولت الحرب فكان فيلم "الممر"، الذي قام ببطولته مجموعة من أبرز نجوم الجيل الحالي.

إلا أن السينما مازالت أمامها الكثير، لكي تعبر عن الحرب
رغم التكلفة الكبيرة لتلك الأفلام.

و بالعودة إلى الأفلام السابقة نجد أن فيلم "الرصاصة لا تزال في جيبي" للمخرج حسام الدين مصطفى، تم تصويره ولم تكن الحرب قد انتهت، حتى أنهم كانوا يصورون وجثث العدو ما تزال متفحمة داخل الدبابات، ورائحتها كريهة.

كما أنهم كانوا يتعرضون لإطلاق نار حقيقي أثناء التجهيز للتصوير.

بل أنهم استخدموا رصاصا حيا، ونسفوا بعض المباني.

كما أقاموا في فيلا ديليسبس.

أما فيلم "العمر لحظة" فقد كان قصة للكاتب الكبير يوسف السباعي، وذكرت الفنانة ماجدة الصباحي بطلة الفيلم ومنتجته في مذكراتها، مع الزميل السيد الحراني.

أنها التقت بالكاتب الكبير وقالت له، إنها متحمسة للفيلم رغم أنه قال إنه يحتاج إلى رجال أشداء.

لكنها أصرت عليه والتقت بالفريق الجمسي الذي وافق على السيناريو.

واختارت المخرج محمد راضي بعد اعتذار مدكور ثابت عن إخراج الفيلم، ثم رشحت في البداية رشدي أباظة، ليشاركها البطولة، لكنه اعتذر فوقع الاختيار على محمد خيري، كما رشحت أحمد زكي للعمل معها في الفيلم، وكان لا يزال في بداياته، رغم أنه تأخر عن التصوير في أحد الأيام، الذي كان يتم داخل مواقع الجيش الثاني الميداني، ويحتوي على مشاهد تضم دبابات، ومدرعات، ومعدات عسكرية ثقيلة، وحوالي ألف جندي.

فقررت ماجدة إلغاء التصوير في ذلك اليوم، وتحميل أحمد زكي التكاليف، لكنه حضر إليها وهو يضع على إحدى يديه وقدميه شاشا وقطنا، وادعى أنه تعرض لحادث.

لكن ماجدة الصباحي لم تصدقه، وقالت له تقنعني حينما تمثل في السينما، لكنك لا تقنعني الآن. فضحك وقال لها، أن أجره كله، لا يكفي لشراء إطار في مدرعة أو دبابة واعتذر وقال إن التأخير لن يتكرر، فألغت قرارها ولم تحمله أي تكاليف.

كما أنه أثناء عرض الفيلم كان يوسف السباعي قد تم اغتياله، فوقف الجميع دقيقة حداد عليه قبل العرض الخاص للفيلم.

ويحسب للفيلم أنه تناول مذبحة بحر البقر الشهيرة، وقصف العدو لمدرسة أطفال.
بالأغنية الشهيرة "مدرستي بحر البقر" التي لحنها بليغ حمدي.

و يعتبر فيلم "حتى آخر العمر" من الأعمال الرائعة عن الحرب، للمخرج أشرف فهمي، والذي قام ببطولته محمود عبد العزيز، ونجوى إبراهيم.

وذكر المنتج الكبير رمسيس نجيب في مذكراته التي كتبها الناقد والمؤرخ الفني أشرف غريب.
أنه اختلف مع المخرج أشرف فهمي، أثناء تصوير الفيلم ولم يكمل أشرف فهمي التصوير، وأكمله رمسيس نجيب.

ورغم أن الأعمال السابقة تناولت الحرب بشكل رائع.

إلا أن فيلم "الممر" جاء ليعبر عن الحرب بنجوم الزمن الحالي، وبتقنيات أحدث، وتكاليف أعلى، ليعبروا ولو عن جزء بسيط مما حدث.

ولكن لا يزال هناك الكثير والكثير عن الحرب، لم يقدم بعد.

ومنها على سبيل المثال بطولات الشهيد إبراهيم الرفاعي، وعبد العاطي صائد الدبابات وغيرهم.

فالبطولات كثيرة ورائعة في ملحمة النصر بأكتوبر، وستظل دائما هناك أشياء كثيرة، تحتاج أن تسلط عليها أضواء السينما والدراما.

وفي النهاية مهما قدم من أعمال فنية رائعة، سيظل انتصار أكتوبر الملحمي، يفوق خيال أي مؤلف سينمائي.

لأن ما تحقق على أرض الواقع، فاق كل التقديرات العسكرية والحربية وحتى الخيال العلمي.
فهل يصدق أحد أن يعبر جندي القناة ويصعد الساتر الترابي، وهو يحمل على ظهره مدفعا مضادا للدبابات، وذخيرة تزن ١٣٠ كيلو أن نصر أكتوبر لم يكن مجرد انتصار في معركة، بل كان ردا لاعتبار أمة بأسرها.

و جسرا تمر عليه أجيال كثيرة من اليأس إلى الرجاء، كما وصفها الرئيس الراحل أنور السادات.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع