خالد صالح.. المتسامح والمتصالح
هناك فنانون نعرفهم من أدوارهم، وهناك فنانون نعرفهم من الطريقة التي تركوا بها أنفسهم في وجدان الناس. وخالد صالح ينتمي إلى النوع الثاني، لأن حضوره لم يكن مرتبطًا فقط بالشخصيات التي قدمها، وإنما بذلك الإنسان الذي كان يظهر أحيانًا خلف الممثل، في كلامه عن أسرته، وعن عمله، وعن الشهرة، وعن المرض، وعن الأشياء التي يستطيع أن يفعلها والأشياء التي لا يملك تغييرها.
وحين نقول «خالد صالح.. المتسامح والمتصالح»، فنحن لا نحاول أن نصنع من الراحل صورة مثالية لا تشبه البشر، ولا نزعم أنه عاش حياته بلا غضب أو خلاف أو ألم، وإنما نقرأ بعض ملامح شخصيته من خلال ما قاله وما فعله. فالتسامح هنا ليس معناه أن الإنسان لا يغضب، والتصالح ليس معناه أن الحياة كانت سهلة، وإنما أن الإنسان لا يسمح لما يؤلمه بأن يتحول إلى خصومة دائمة مع نفسه أو مع الآخرين.
ولعل بداية خالد صالح نفسها تقول شيئًا عن هذه الشخصية. فقد بدأ طريقه الفني من المسرح، وشارك في أعمال فنية خلال سنوات مبكرة من حياته، لكنه لم يتفرغ للتمثيل بصورة كاملة إلا عام 2000، وكان وقتها في السادسة والثلاثين من عمره، بعد أن عمل في مجالات أخرى، من بينها المحاماة. وكان يمكن لهذه البداية المتأخرة أن تجعل صاحبها أسيرًا لفكرة ما فاته، أو أن يتحول تأخر النجاح إلى شعور دائم بالمرارة، لكن مسيرته التي عرفناها بعد ذلك لم تكن قائمة على الشكوى من الماضي، وإنما على العمل حين جاءت الفرصة.
وهنا تبدأ علاقة خالد صالح بفكرة التصالح. فالتصالح مع الماضي لا يعني أن الإنسان ينسى ما فاته، وإنما أن يتوقف عن معاقبة نفسه عليه. خالد صالح لم يبدأ في السادسة والثلاثين من نقطة الصفر، فقد كان قد مر بتجارب دراسية ومهنية ومسرحية، ثم جاءت لحظة التفرغ للفن، فاختار أن يمضي إلى الأمام. وبعد سنوات قليلة أصبح واحدًا من الأسماء البارزة في السينما والدراما المصرية، وقدم شخصيات معقدة ومتنوعة تركت أثرًا واضحًا لدى الجمهور.
ثم جاءت الشهرة، ولم يكن واضحًا من حديثه عنها أنها أصبحت بديلًا عن حياته الخاصة. ففي حوار مع صحيفة «الخليج» عام 2008، قال إن الشهرة لم تغيّر حياته الخاصة، وإنه وزوجته وأولاده يعيشون مثل أي أسرة مصرية بسيطة، كما تحدث عن عدم ميله إلى حضور المناسبات التي يكون هدفها الأساسي الظهور والتقاط الصور، مؤكدًا أنه يشارك عندما تكون المناسبة الفنية مهمة. وهذه التفاصيل تبدو مهمة في فهم معنى التصالح عنده، لأنه لم يجعل نجاحه الفني يفرض عليه التخلي عن حياته العادية، ولم يتعامل مع الشهرة باعتبارها حياة جديدة ينبغي أن تبتلع كل ما سبقها.
وكانت الأسرة حاضرة بقوة في كلامه. ففي حوار آخر، تحدث عن زوجته وولديه باعتبارهم جزءًا أساسيًا من حياته، وقال إن أسرته كانت شريكة في نجاحه، بل إن زوجته وأولاده كانوا من أكثر من ينتقدونه ويصارحونه برأيهم في أعماله. وهذه ليست مجرد حكاية عن بيت فنان، وإنما صورة لرجل كان يرى في حياته الخاصة مساحة صادقة بعيدًا عن التصفيق الذي يصاحب الشهرة.
ومن هنا يمكن فهم التسامح بوصفه امتدادًا للتصالح. فالإنسان الذي يتصالح مع نفسه لا يحتاج طوال الوقت إلى إثبات أنه على حق، ولا يرى كل ملاحظة موجهة إليه باعتبارها إهانة، ولا يحول كل اختلاف إلى خصومة. وهذا لا يعني أن خالد صالح لم يكن يتأذى أو يغضب، فلا توجد شهادة موثقة تسمح لنا بأن نصفه بهذه المثالية، وإنما ما نستطيع قوله إن بعض تصريحاته تكشف عن قدرة على مراجعة الذات والنظر إلى الحياة من زاوية أكثر هدوءًا.
وتظهر هذه الروح أيضًا في حديثه عن النقد، حين تحدث عن أهمية أن يسمع الفنان ما يقال عنه، وأن يكون قادرًا على الاستفادة من الملاحظات بدلًا من أن يعيش أسيرًا لصورة يفرضها على نفسه وعلى الآخرين. وهنا تصبح المسألة أعمق من علاقة فنان بالنقاد، لأنها علاقة الإنسان بنفسه: هل يستطيع أن يسمع ما لا يعجبه؟ وهل يستطيع أن يعترف بأن النجاح لا يعني العصمة من الخطأ؟ خالد صالح، في ما نقل عنه من أحاديث، لم يقدم نفسه باعتباره إنسانًا فوق النقد، وإنما تحدث عن ضرورة التعلم والاستمرار والمحاولة.
أما المرض، فقد كان فصلًا قاسيًا في حياته، لكنه لا ينبغي أن نحمّله أكثر مما تحتمل الوقائع. فقد عانى خالد صالح من مشكلات في شرايين وصمامات القلب، وأجرى جراحة معقدة بالقلب في مركز الدكتور مجدي يعقوب بأسوان، وظل في المركز فترة قبل الجراحة وبعدها، ثم توفي في 25 سبتمبر 2014 عن عمر ناهز الخمسين عامًا.
لكن الأهم في هذا الجانب ليس أن نقول إن المرض جعله متسامحًا أو متصالحًا، فهذا استنتاج لا نستطيع إثباته، وإنما أن نعود إلى كلامه هو. ففي آخر لقاء تلفزيوني له تحدث عن تجربته مع المرض، وقال إنه لا يعيش «بسيكولوجية المريض» لأنها، بحسب تعبيره، تجعل الإنسان غير منجز، ثم قال عبارته التي بقيت حاضرة بعد رحيله: «العمر مش بإيدي، اللي بإيدي هو اللي أنا بعمله».
هذه العبارة بالذات تشرح جانبًا مهمًا من معنى التصالح الذي يحمله المقال. فهو لا يتحدث عن الاستسلام، وإنما عن معرفة حدود الإنسان. العمر ليس في يده، لكن ما يفعله في هذا العمر يقع في مساحة اختياره. وهذه الفكرة تقترب كثيرًا من معنى التصالح، لأن التصالح الحقيقي ليس أن يحصل الإنسان على كل ما يريد، وإنما أن يعرف ما يستطيع تغييره، وما لا يستطيع، ثم يوجه طاقته إلى ما يملك.
ومن هنا يعود بنا الأمر إلى التسامح. فالتصالح مع الماضي يخفف الحاجة إلى الانتقام منه، والتصالح مع العيوب يجعل الإنسان أقل قسوة في الحكم على عيوب الآخرين، والتصالح مع محدودية العمر يجعل الإنسان أكثر حرصًا على ما يستحق وقته ومحبته. لذلك فإن «المتسامح» و«المتصالح» في عنوان المقال ليستا صفتين منفصلتين، وإنما مساران يلتقيان في شخصية واحدة: إنسان عرف أن الحياة لا تمنح أحدًا كل ما يريد، وأن الحكمة ليست في أن يكسب الإنسان كل معاركه، وإنما في أن يعرف أي معركة تستحق أن يخوضها، وأي خلاف يستحق أن يتجاوزه.
وهذا ربما يفسر جانبًا من محبتنا لخالد صالح اليوم. فنحن لا نفتقد ممثلًا صاحب موهبة فقط، وإنما نفتقد إنسانًا رأيناه يكبر أمامنا، وينتقل من أدوار صغيرة إلى نجومية كبيرة، من دون أن تصبح الشهرة هي كل حكايته. وعندما يظهر على الشاشة الآن، نضحك أو نتوتر أو نتذكر شخصية من الشخصيات التي أداها، ثم يأتي ذلك الشعور الهادئ بأن الرجل الذي نراه أمامنا لم يعد هنا.
وهذه واحدة من أقسى مفارقات الفن، أن يظل الفنان حاضرًا في الصورة بينما يغيب صاحبه عن الحياة. نراه في فيلم قديم، فنستعيد صوته وملامحه وطريقته في الحركة والكلام، وكأن السنوات لم تمر، ثم نتذكر فجأة أن كل هذا ينتمي إلى زمن مضى. ومع خالد صالح تحديدًا، يبقى الشعور أكثر إنسانية لأن صورته لم تكن منفصلة تمامًا عن الشخص الذي عرفناه من أحاديثه: رجل وضع أسرته في مكان مهم من حياته، وتعامل مع الشهرة باعتدال، ومضى في طريقه رغم تأخر البداية، وتحدث عن المرض من موقع الإنسان الذي يريد أن يفعل ما يستطيع ما دام قادرًا.
خالد صالح لم يكن إنسانًا بلا عيوب، ولم يكن مطلوبًا منه أن يكون كذلك حتى نحبه. وربما تكون قيمة الإنسان الحقيقية في قدرته على أن يعيش بما فيه من قوة وضعف، وأن يراجع نفسه، وأن يتجاوز ما يستطيع تجاوزه، وأن يترك وراءه أثرًا لا يقوم على الصورة المثالية، وإنما على المحبة التي يصنعها حضوره الصادق.
ولهذا يظل عنوان «خالد صالح.. المتسامح والمتصالح» أقرب إلى قراءة في إنسانه منه إلى مجرد وصف لفنان رحل. فالتسامح هنا نتيجة لتصالح أعمق، والتصالح ليس رضا عن كل ما حدث، وإنما قبول واعٍ بما مضى، وفهم لما يمكن تغييره، وحرص على ألا تتحول الخلافات والجراح إلى عبء يحملها الإنسان معه طوال الطريق.
وربما لهذا نفتقده كلما ظهر على الشاشة. نفرح بالفنان الذي لم يغب، ونحزن على الإنسان الذي غاب. وبين الفرح والحزن تبقى سيرته حاضرة، لا لأنها سيرة رجل عاش بلا ألم، وإنما لأنه ترك وراءه صورة لإنسان عرف كيف يمضي، وكيف يعمل، وكيف يحب، وكيف يضع للحياة قدرها وللشهرة حجمها، ثم رحل قبل أن نكتفي من حضوره.
خالد صالح.. المتسامح والمتصالح. لم يكن كاملًا، ولم يدّع الكمال، لكن ما بقي منه يكفي لأن يجعلنا نتوقف أمام الشاشة قليلًا، نشاهده من جديد، ونبتسم، ثم نشعر أننا نفتقده.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع