إعلان

الإنسان وحلم التألّه

د. أحمد عمر

الإنسان وحلم التألّه

د. أحمد عبدالعال عمر
07:00 م الأحد 25 سبتمبر 2022

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع


منذ وجد الإنسان على الأرض، تطلّع بروحه إلى السماء ليبحث عن قوة أكمل من قوته، وصورة أجمل من صورته تمثل الكمال والجمال اللامتناهي؛ وانطلاقًا من هذا الشعور نشأ الدين، وكان العنصر الأصيل فيه هو الإيمان بكائن كامل قوي خالد، وخالق للكون والبشر، ومسيطر عليهما.
وهذا النزوع إلى اكتشاف الألوهية السامية القوية والمسيطرة، يُعد من أقدم الحاجات الإنسانية، وهو التعبير الفعلي عن افتقاد الإنسان الضعيف إلى القيم المثالية الكاملة التي تُمثلها الألوهية، ومن ثم فقد سعى الإنسان منذ القدم للتواصل معها؛ فلجأ حينًا إلى الكهانة والسحر وما صورته مخيلة الشعراء من أساطير، وحينًا آخر إلى العقل الفلسفي وتصوراته، وفي النهاية ركن إلى الوحي الديني بالمفهوم التوحيدي في الديانات الثلاث وهي؛ اليهودية والمسيحية والإسلام.
غير أن اكتشاف الإنسان للألوهية في الكون، خلق بداخله رغبة عبثية جسدت أول "مفارقة" عرفها تاريخ الإنسان الديني والفكري، وظهرت في حلم وتطلع الإنسان الضعيف الفاني إلى أن يصير إلهًا، لكي يشارك الألوهية في تفردها وخصوصيتها، مثل المعرفة الكاملة، والقدرة المطلقة، والسيطرة التامة، والسعادة المفرطة، والخلود، وأن يصير مثل الإله كائنًا مستقلًا مكتفيًا بذاته، وقادرًا على صنع مصائر الآخرين.
ونجد أصداءً لهذا الحلم الإنساني بالتألّه في الأساطير والديانات القديمة في الشرق والغرب، كما عبر عنه العهد القديم في "سفر التكوين" الذي روى قصة آدم وحواء، اللذين زين لهما الشيطان الأكل من شجرة المعرفة لكي يصيرا مثل الإله عارفين للخير والشر، وخالدين.
ولا شك أن حلم آدم وحواء قد انتهى بهما نهاية تراجيدية؛ فالإنسان الذي رفض إنسانيته، قد فشل في أن يصير إلهًا، وعندما أُخرج من الفردوس، وسقط على الأرض عقابًا له على طموحه غير الإنساني، اكتشف عريه، ورأى ذاته على حقيقتها، وأدرك أنه إنسان وليس إلهًا، وأن عليه أن يقنع بمحدودية طبيعته، وضعفه وتناقض وجوده، وأنه مهما بلغت قوته وسيطرته فإن حياته محدودة في الزمان والمكان، ووجوده إلى زوال.
ولكن يبدو أن طموح الإنسان للتأله، قد ظل كامنًا بداخله دائمًا، وينتعش عند بعض الحكام والملوك وأصحاب السلطة والفلاسفة والعلماء كلما زادت قوتهم ومعارفهم؛ ولهذا كثرت نصائح الحكماء للإنسان بأن يكبح جماح طموحاته الشاطحة وتطلعاته المسرفة في التهور، لأنه في البداية والنهاية إنسانٌ وليس إلهًا.
وقد نقلت لنا كتب التاريخ والأدب أن النهاية التراجيدية وأحيانًا الكوميدية، كانت الفصل الأخير في حياة كل إنسان ضللته أوهامه عن ذاته، ومعارفه وقوته المادية، وجعلته ينسى طبيعته وحقيقة وجوده، ليطمح لأن يصير مثال الإله عالم بكل شيء، ومسيطر على كل شيء، وصانع لمصائر البشر.
بداية من فرعون موسى الذي قال "أنا ربكم الأعلى"، فأغرقه الله ومَن معه. مرورًا بالفيلسوف اليوناني إنبادوقليس الذي ادعى الألوهية، وقذف بنفسه في فوهة بركان، ليثبت للناس معجزته وكرماته، فالتهمته النيران، وقذفت للبشر بحذائه كما روي في سيرته، ونهاية بالأباطرة الرومان المجانين مثل كاليجولا ونيرون، ومعهم هتلر وموسوليني وشاوشيسكو، وكل طغاة التاريخ البشري في الشرق والغرب.
فيا أيها الإنسان لست إلهًا مهما بلغت معرفتك وقوتك وثروتك وسلطتك، فتأمّل وتدبر وتواضع لله والبشر.

إعلان