أحمد الشيخ يكتب: شبكة حسابات التحريض ضد مصر والترويج لإثيوبيا وسد النهضة

أحمد الشيخ

أحمد الشيخ يكتب: شبكة حسابات التحريض ضد مصر والترويج لإثيوبيا وسد النهضة

أحمد الشيخ
06:23 م الثلاثاء 07 يوليه 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

في عام ٢٠١١، وقف رئيس الوزراء الإثيوبي "ميليس زيناوي" أمام البرلمان معلنا عزم بلاده بناء سد كبير، وكان المشروع يحمل حينها اسم "سد الألفية"، ولكن هذا الإعلان لم يكن بداية التفكير في المشروع، وإنما كان نهاية البداية؛ حيث اختتمت إثيوبيا بذلك فترات طويلة من التردد، ثم التخطيط والإعداد السري.

والانتقال إلى العمل على الأرض صاحبه انطلاق حملة "بروباجندا" بدأت بنشر صورة لمنطقة شرق إفريقيا يخيم عليها الظلام الدامس، بينما تبدو مصر متلألئة تحت أضواء الليل. تم توزيع تلك الصورة على السفارات ومراكز الأبحاث والمؤسسات الدولية مصحوبة بتعليقات تقول إن من حق دول شرق إفريقيا الحصول على الكهرباء أسوة بمصر.

ومع دخول قضية سد النهضة المرحلة الحاسمة الحاليّة انتقلت الحملة الدعائية الإثيوبية إلى مستوى متقدم في التعبئة ترويجا لوجهة النظر الإثيوبية وتحريضا ضد الموقف المصري، وتشارك في تلك الحملة حسابات إثيوبية رسمية وشعبية وأخرى تبدو منتحلة الصفة الإثيوبية، ويمكن معرفة مواقع إدارة تلك الصفحات بفضل المصادر الجديدة التي أتاحها فيسبوك بعد فضيحة التلاعب بآراء الناخبين الأمريكيين في عام ٢٠١٦.

فعلى سبيل المثال، هناك صفحات تحمل اسم "إثيوبيا بالعربي"، واحدة منها يتابعها نحو تسعة وعشرين ألف شخص، وبياناتها تقول إن هناك ثلاثة حسابات تديرها، يقع الحساب الأول في قطر، والثاني في الولايات المتحدة، أما الثالث فموقعه غير معروف!

وهذا أمر يثير الريبة؛ فقد كنت أتوقع أن تكون إدارة الحساب في إثيوبيا وليس خارجها، واستعراض منشورات الصفحة خلال الأيام الأولى من يوليو وكامل شهر يونيو- يوضح أن أجندتها تحريضية بامتياز، وتعمل منشوراتها على إشعال المناقشات الإلكترونية بين مؤيدي السد ومعارضيه.

أحد المنشورات يثير مخاوف الإثيوبيين قائلا "من المحتمل أن تكون هناك أيادٍ خارجيةٌ تسعى لزعزعة استقرار البلاد لتنفيذ أجندتها السياسية.. سد النهضة خط أحمر، وأمن بلادي خط أحمر".

وتنشر الصفحة دعوة صريحة للتواصل مع من اعتبرتهم "إخواننا من السودان ودول الجوار الداعمين والمناصرين لملف سد النهضة من الكتاب والصحفيين والمثقفين"، وبالطبع لا تبدو هذه الدعوة حسنة النية. وتتعمد الصفحة بشكل عام الاستخفاف بالموقف المصري وانتقاد جامعة الدول العربية.

تروّج الصفحة لمصادر معينة، وتنقل منها الأخبار وعلى رأسها شبكة الجزيرة وأيضا منصة رقمية اسمها "واكب" تأسست أواخر العام الماضي، وتركز على تغطية الشؤون السودانية، وبمراجعة بيانات صفحة واكب على فيسبوك تجد أنها تخضع لإدارة خمسة حسابات، تقع اثنان منها في قطر، واثنان في السودان، وحساب واحد في الولايات المتحدة.

ويبدو أن هناك رابطا بين إدارة وتمويل الصفحتين (واكب وإثيوبيا بالعربي) لأن خمسة من مديري الصفحتين يقبعون في قطر والولايات المتحدة.

وهناك صفحة إثيوبيا التي يتابعها أكثر من مائة ألف شخص، ولا تكشف الصفحة موقع إدارتها، وأسلوبها يعتمد على تصوير الدبلوماسية الإثيوبية كأنها دائمة الانتصار، والزعم أن أديس أبابا تلقى تأييدا دوليا وإفريقيا لدرجة أنها تقول إن دولة جنوب السودان مستعدة للحرب بالنيابة عن إثيوبيا وإن أعضاء الجامعة العربية ليسوا كلهم مؤيدين للموقف المصري.

عنصر رئيسي في أسلوب الصفحة هو محاولة استمالة الجمهور السوداني، فمنشوراتها الشهر الماضي شملت مقالا لكاتب سوداني يدعو إلى "إعلاء مصلحة السودان فقط" وقد علق عليه نحو ألف شخص، ومنشورا ينفي تضرر السودان من السد، وعلق عليه نحو ألفي شخص، ومنشورا يقول إن إثيوبيا لا تستغل السودان وأعاد نشره أكثر من خمسمائة شخص، وتستخدم الصفحة مصطلحات ورسائل رنانة مثل "سد النهضة هو سد السودان العالي" وإن إثيوبيا أجرت تعديلات على السد حرصا على مصلحة السودان، وإن السودان موافق على ملء السد حتى دون اتفاق، وتصف الصفحة العلاقات بين إثيوبيا والسودان بالأخوية، وتزعم أن الإعلام المصري حاول تقويض تلك العلاقات.

أما صفحة "سافر إلى إثيوبيا" فتُدار من السودان، ويفترض أن الصفحة متخصصة في تشجيع السياحة إلى إثيوبيا ولكن قدرا كبيرا من منشوراتها يروج لسياسات الحكومة ورئيسها آبي أحمد ودعم ملف السد، وتكرر الصفحة الدعاية التي تقول إن المرأة الإثيوبية انحنى ظهرها لأنها تحمل الحطب لتوفير الطاقة، ثم تنشر صورة أخرى لفتاة تحمل على ظهرها مصباحا كهربائيا، في إشارة إلى الإنجاز الذي يفترض أن يعكسه سد النهضة على المرأة والشعب الإثيوبيين.

وتعيد الصفحة نشر مواد من صفحة أخرى تحمل الاسم نفسه ولكن بالإنجليزية، وتلك الصفحة الإنجليزية تجيد مخاطبة الجمهور الغربي، فتقدم فيديو مصحوبا بتعليق صوتي لشخص أمريكي اللكنة، وخلال ثلاثة أيام أعيد نشر الفيديو نحو سبعة آلاف مرة، ويدير هذه الصفحة حسابان ويقع مقرهما في إثيوبيا والولايات المتحدة.

والصور التي تنشرها الصفحة تركز على مزاعم البعد الإنساني للقضية، فتستعين بناشطة وفنانة بريطانية تنحت أعمالا فنية على قشر الموز، وتوجه هذه الأعمال رسائل تتحدث عن معاناة المرأة الإثيوبية في جمع الحطب أو سير الأطفال مسافات كبيرة للحصول على المياه.

وخلال الأيام الستة الأولى من شهر يوليو خصصت الصفحة كل منشوراتها للترويج لوجهة النظر الإثيوبية بشأن السد، وأفرطت في استخدام الهاشتاج #itsmydam وهذا الهاشتاج تستخدمه بكثافة الصفحات والحسابات الإنجليزية المؤيدة لإثيوبيا، وهو جزء من حملة إلكترونية أطلقها إثيوبيون في الخارج لحشد الدعم حول العالم وتشمل الحملة عقد لقاءات عبر الإنترنت يشارك فيها إثيوبيون وأجانب بالإضافة إلى التدوين الكثيف على كل منصات التواصل الاجتماعي باستخدام الهاشتاج.

وهناك حسابات باللغة الإنجليزية تعمل فقط على الترويج لسد النهضة، منها صفحة "مجتمع سد النهضة الإثيوبي الكبير" التي يتابعها نحو ١٧ ألف شخص، وتم إطلاقها عام ٢٠١٣ ويقع مقر إدارتها في السويد، أما صفحة "سد النهضة الإثيوبي الكبير" فهي تعمل منذ عام ٢٠١٥ وتتميز عن الصفحات الأخرى بأن مقر إدارتها في إثيوبيا فقط.

الهاشتاج والحملة اللذان تركز عليهما الصفحات الإنجليزية ليسا مجرد جهد شعبي، فهما يحظيان بدعم من الحكومة ومؤسساتها، فالسفارة البريطانية في لندن على سبيل المثال تستخدم الهاشتاج #itsmydam كجزء من اسم حسابها على تويتر، وفي الثاني من يوليو وجه الحساب دعوة للإثيوبيين حول العالم للمشاركة في الحملة الإلكترونية.

حساب السفارة على تويتر يتابعه ستة وعشرون ألف حساب من بينهم وزارة الخارجية البريطانية، وينشر الحساب مقاطع فيديو ترويجية يصاحبها تعليق صوتي ذو لكنة بريطانية، وخلال الأيام الستة من شهر يوليو غرد الحساب نحو ثلاثين مرة وخصص خمسا وعشرين تغريدة للدفاع عن السد.

وفي الرابع من يوليو، نشر الحساب مقطع فيديو للأكاديمي البريطاني جون ستراذرز، رئيس مركز أبحاث التنمية الاقتصادية الإفريقية في جامعة أسكتلندا ليكيل المديح للسد، ويشغل ستراذرز أيضا منصب مستشار شرفي في السفارة الإثيوبية في لندن.

وحساب السفارة ليس الذراع الوحيدة النشطة للدبلوماسية الرقمية الإثيوبية، فعندما تحدث مندوب إثيوبيا خلال جلسة مجلس الأمن الشهر الماضي، وعارض وجهة النظر المصرية سارعت حسابات رسمية إثيوبية بتكرار الرسالة، وكان في مقدمتها حساب البعثة الإثيوبية في الأمم المتحدة، حيث نشر نص الرد الإثيوبي مصحوبا بتفاصيل حسابات إثيوبية رسمية أخرى، وتحمل تلك الحسابات أسماء وصفات المندوب الإثيوبي في الأمم المتحدة، ووزارة الخارجية، ووزيرها، ورئيس الوزراء ومسؤولين في وزارة الخارجية.

تنويع مصادر المعلومات عبر تويتر من بين المبادئ التي تستخدمها الدبلوماسية الرقمية الاثيوبية، حيث توفر للصحفيين رفاهية الاختيار بين مصادر عدة للحصول على معلومات وربما للتواصل وإجراء مقابلات. وتتكامل الدبلوماسية الرقمية الإثيوبية مع أنشطة الصفحات والحسابات غير الرسمية لتحاصر الصحفيين والجمهور بسيل منهمر من المنشورات والتغريدات، ويبدو واضحا أن إثيوبيا رأت مبكرا أن تعبئة الفضاء الإلكتروني عامل حاسم في طريق ملء السد بمياه النيل.

إعلان

إعلان

Masrawy Logo loader

إعلان

خدمة الاشعارات

تلقى آخر الأخبار والمستجدات من موقع مصراوي