المراجعات الفكرية... ماذا بعد؟

د. غادة موسى

المراجعات الفكرية... ماذا بعد؟

د. غادة موسى
08:11 م السبت 25 أبريل 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

كثرت الكتابات والآراء التي تتحدث عن مرحلة أو الحياة فيما بعد فيروس "كورونا". وأجمعت على أن حياة البشر في فترة ما بعد فيروس "كورونا" ستختلف كثيرًا عما قبله. كما جاءت معظم التوقعات لمرحلة ما بعد فيروس "كورونا" تحمل نذر التشاؤم، وتحذر من التضييق على حرية الأفراد في الحركة والعمل والسفر وغيرها من الأنشطة الحياتية، وفي مقدمتها النشاط الاقتصادي.

ولم تأتِ تلك التوقعات فقط على لسان الفرد العادي، وإنما صرح خبراء في العلوم المختلفة وساسة - بصفة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية- بحدوث تحولات جذرية اجتماعية واقتصادية وسياسية قد تدفع لنشوب حروب أو تأجيج الصراعات الدولية. ومن هؤلاء هنري كيسنجر -عراب السياسة الخارجية الأمريكية- ونعوم تشومسكي أستاذ اللسانيات والفلسفة. هذا على الجانب الغربي من الكرة الأرضية، أما على الجانب الشرقي منها، فقد جاءت المبادرة من علماء الفلسفة والاجتماع في المشرق العربي، وفي مقدمتهم دكتور يوسف هزيمة الذي لم ينظر للوباء في سياق وجود مؤامرة، وإنما في سياق كيفية إعمال العقل البشري للتغلب على ضعف الإنسان في مواجهة الموت. كما أعاد علماء الاقتصاد البحث في جدوى النظام الاقتصادي الحالي وفلسفة الليبرالية الجديدة التي تأسس عليها منذ السبعينيات من القرن العشرين. كما كان لسياسيي المشرق - بدورهم- رأي في مرحلة ما بعد فيروس "كورونا"، ومنهم السيد عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدول العربية الأسبق ووزير خارجية مصر الأسبق. حيث اعتنى بالبحث في علاقة وقدرة النظم السياسية المختلفة -الديمقراطية وغير الديمقراطية- في التعامل مع جائحة "كورونا". إضافة لعلماء كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة الذين اهتموا أيضًا بتقييم الأداء الدولي والمحلي في التعامل مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي خلفها فيروس "كورونا".

وفي الواقع، فإنني أرى أن مقدمات حدوث تغير في النظام العالمي بمفهومه الواسع قد حدثت بالفعل قبل جائحة "كورونا". حيث كثرت المراجعات الفكرية للركائز الفكرية التي تأسس عليها النظام العالمي من حيث الفلسفات الاقتصادية والمؤسسات التي تسير أعماله. واقتصر دور الجائحة في تسريع التفكير في كيفية الخروج من تلك الأزمات بأفكار وفلسفات جديدة من جهة، ومن جهة أخرى كشفت الأزمة أن ما هو قائم من أطر فكرية ومؤسسية لم تنجح في اختبار "كورونا". فالعالم - في خضم صراعه للهيمنة والسيطرة على بعضه البعض وعلى فضائه الداخلي والخارجي- تناسى أو نسي أو تعامل باستهانة مع أمور بديهية كالكوارث الطبيعية والأوبئة كأحداث عارضة تنتهي ولا تتكرر كثيرًا.

بعبارة أخرى وضع نفسه بين مطرقة الهيمنة وسندان البقاء.

ومن أجل إخفاء الإخفاقات، سعى العديد من زعماء العالم إلى توجيه الاتهامات لبعضهم البعض حول المتسبب في انتشار الجائحة والركود الاقتصادي. وتعدى الاتهام الدول ليطول المنظمات الدولية بالتبعية. وقد نرى خلال الأيام المقبلة انقسامًا آخر بين دول الشمال ودول الجنوب، باعتبار أن التقدم العلمي في دول الشمال هو المتسبب في انتشار الجائحة، وهو الذي -مع تقدمه- أخفق حتى الآن في إيجاد مصل أو دواء للحد من انتشار الفيروس.

ويظل تساؤل "ماذا بعد؟" مستمرًا -بمفهوم الغالبية- عما يمكن أن يكون عليه العالم بعد عدة أشهر من الآن.

ولكن "ماذا بعد؟" في رأيي يتعدى شكل العالم ومنظومات تسيير عمله إلى الدرس المستفاد مما نحن فيه. ومرة أخرى الاختيار بين الهيمنة والبقاء. وفي حال اختارت شعوب العالم البقاء وقاومت سياسات الهيمنة على محاور الشرق والغرب والشمال والجنوب، فما الذي سيكون عليه إنسان ما بعد فيروس "كورونا"؟

قد تحتاج شعوب العالم -لتتحدث عن مرحلة ما بعد فيروس "كورونا"- إلى أن تعي الدرس مما حدث. كما قد تحتاج الأنظمة السياسية في العالم إلى إعادة النظر في بديهية بسيطة وهي "أن الإنسان هو محور الحياة "، وأنه لا بقاء على سطح هذا الكوكب بدون الإنسان. فالآلة مهما تطورت لن تحل محل الإنسان في تركيبته العقلية والجسدية والنفسية والروحية.

فعلى العالم أن يدرك ويعي أهمية إعادة ترتيب أولويات إنفاقه. فلا إنتاج بدون عامل لديه جهاز مناعي قوي. ولا تقدم بدون منظومة صحية جيدة. ولا تجارة بدون استقرار اقتصادي وسياسي. وفي هذا يتساوى الشرق مع الغرب والشمال مع الجنوب.

الهيمنة أم البقاء؟!.

إعلان

إعلان