حسن حنفي.. الحاضر الغائب في حوار "الطيب" و"الخشت"

د. أحمد عمر

حسن حنفي.. الحاضر الغائب في حوار "الطيب" و"الخشت"

د. أحمد عمر
09:00 م الأحد 02 فبراير 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

بعيدًا عن المبتذلين وأصحاب الهوى الذين يبغون التقرب لهذا أو ذاك، وجعل الحوار الفكري في ثنايا مؤتمر علمي معركة فيها مهزوم ومنتصر، وفرصة لتخليص الحسابات القديمة، أظن أن أهم مكتسبات الحوار الذي دار ضمن جلسات "المؤتمر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي" بين شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب ورئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت - هو إلقاء الضوء من جديد على أهم الإشكاليات الفكرية التي لم نستطع حلها، منذ فجر النهضة العربية، وهي إشكالية الموقف من التراث، وعلاقة الأصالة بالمعاصرة، وكيف نعيش عصرنا دون أن نفقد أصالتنا وهويتنا، وكيف نُعيد للدين رسالته الحضارية والإنسانية، ونجعله رافدًا من روافد تقدمنا، دون أن يكون الفهم الخاطئ لجوهره ودوره مُعوقا لنا.

كما أظهر الحوار أيضًا أن مناقشة القضايا الفكرية يمكن أن تحظى باهتمام ومتابعة الناس على نطاق واسع، إذا دخلت تلك القضايا في مجال الدوائر العليا للدولة، وخرجت من الدوائر الثقافية والأكاديمية المُغلقة.

ولهذا أتمنى أن يكون هذا الحوار والأصداء التي لحقته فرصة للفت الأنظار إلى أهمية الفكر في حياتنا ونهضتنا، وبالتالي دفعنا لإعادة قراءة خطابات النهضة العربية، والجهود الفكرية التي قدمها علماء الأمة المخلصون، والاستفادة من أفكارهم في سعينا لتجديد فكرنا، وإعادة بناء وعينا، والخروج من كبوتنا الفكرية والسياسية والحضارية؛ لكي لا نبدأ مشوار تجديد الفكر المُستهدف من الصفر.

ولعل أهم المفكرين الذين يتحتم علينا إعادة قراءتهم ووضع أفكارهم في دائرة الضوء هو أستاذ الفلسفة المصري والمفكر الكبير الدكتور حسن حنفي؛ لأني أظن أنه كان الحاضر الغائب في حوار شيخ الأزهر ورئيس جامعة القاهرة؛ فهو صاحب الكتاب الشهير "التراث والتجديد.. موقفنا من التراث القديم".

ويهدف مشروعه الفكري التجديدي إلى إخراج الحاضر من رحم الماضي، وتوليد الجديد من باطن القديم، حتى نحافظ على وحدة الهوية والشخصية الحضارية، ولكي يصبح الإنسان العربي المسلم الجديد مواطنًا عصريًا يجمع في حياته وفكره وعمله بين الأصالة والمعاصرة.

والدكتور حسن حنفي هو الذي دعا- منذ زمن طويل وبشجاعة منقطعة النظير- لتجديد علم أصول الفقه، وإعادة ترتيب أولوياته؛ لأن كل كتب الفقه تبدأ بالعبادات وتثني بالمعاملات، ولا بد من تجديد يبدأ بالمعاملات قبل كل شيء، ليربط الإسلام بالواقع والعصر وحركة التاريخ، ويوضح للناس موقف الإسلام من القضايا المُستجدة والمشكلات الراهنة.

وهو الداعي لأن يكون للأمة العربية الإسلامية سياسة حضارية تحمل رسالتها للعالم. وقد فرق بين السياسة والسياسات، وذكر أن السياسة ثابتة والسياسات مُتغيرة، والسياسة هي نتاج الموقع الجغرافي والثقل التاريخي والحضاري.

وقال إن السياسة من هذا المنظور ترتبط بالهوية، والمصلحة الوطنية، والأمن القومي، وتُجسد ثوابت الأمة التي لا سبيل للمساومة عليها.

أما السياسات، فهي متغيرة وراهنة، ولذا يجب أن تدور في فلك السياسة، وتعمل وفقاً لإطارها العام.

ولكن الغريب أننا نضحي بالسياسة من أجل السياسات؛ بحثًا عن مصالح خاصة وراهنة دون الأخذ بالاعتبار مصالح الأمة ككل.

وقد قال في هذا الصدد إن عودة الأمة الإسلامية إلى ناصية الحضارة تتطلب البعد عن تركيز الخطاب الديني الحالي عن الغيبيات، لأن في هذا فصلاً للدين عن الواقع وعن مجريات الأحداث وحركة التاريخ، ولا بد من ربط الدين بالحياة؛ ليعود "الوحي" فاعلا في التاريخ.

تلك أبرز أفكار أستاذنا الدكتور حسن حنفي، الوثيقة الصلة بالحوار الذي دار بين شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، والدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة، وهي أفكار جعلته حاضرًا بمشروعة الفكري في أجواء هذا الحوار، وإن غاب بجسده.

وقد كان حاضرًا أيضًا لأنه من أبرز المؤمنين بجدوى الحوار، وتبادل وجهات النظر بين الفرقاء، وضرورة التكامل بدلا من التناطح والتناحر، وضرورة قبول الآخر ورفض الإقصاء والتكفير، ورفض منطق حديث "الفرقة الناجية" المشكوك في صحته عند الإمام ابن حزم والإمام العز بن عبد السلام.

إعلان

إعلان

  • خدمة الاشعارات

    تلقى آخر الأخبار والمستجدات من موقع مصراوي