• تهويل النووي وتهوينه

    أمينة خيري

    تهويل النووي وتهوينه

    أمينة خيري
    09:00 م الإثنين 09 سبتمبر 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    بينما نحن منشغلون بمحمد علي، وغارقون فيما يحويه الإعلام من محتوى يصفه البعض بالعجيب، ويراه البعض الآخر غريبًا، ومفاجأون بارتفاع نسب الأمية الأبجدية في مصر، ليصل العدد إلى 18،4 مليون مصري، يتحدث الآخرون عن مستقبل الطاقة النووية التي سنصبح قريبًا منتجين لها.

    وحين يجتمع أقطاب المجال النووي في العالم على أصعدة البحث والتصنيع والإنتاج والتمويل والمراقبة النووية تحت سقف واحد في لندن، وهو تجمع قلما يحدث، فإن الأمر يكون بالغ الأهمية.

    فبريطانيا- لمن لا يعلم- تعتمد في خُمس إمدادات طاقتها على الطاقة النووية، لكن المراقبين يتوقعون أن تحال سبعة من مفاعلاتها الثمانية إلى التقاعد في أواخر العقد المقبل.

    ويدور في أروقتها المغلقة نقاش وجدل كبير حول إمكانات التمويل لمفاعلات جديدة. لكن المؤكد أن مفاعلاً جديدًا في مدينة "سومرست" يجري بناؤه، ويتوقع أن يبدأ في إمداد ستة ملايين بيت بالطاقة في عام 2027.

    والحقيقة أن حضور ندوة عن الطاقة النووية يتحدث فيها القائمون على صناعتها في العالم، والمسؤولون عن المراقبة عليها، ومعهم العلماء والممولون والمنظمون، ومتابعة العروض والمناقشات التي تفند هذا المجال بالغ الأهمية والذي يثير الكثير من الجدل ومعه اللغط - يختلف بعض الشيء عن مناقشاتنا الفيسبوكية اللطيفة.

    شعور غريب ينتاب من يتعرض يوميًا لكتابات وآراء ومواقف قوامها واحد في المائة علمًا ومعرفةً والباقي تنظيرات مقاهٍ ومواقف ملونة بطيف الخلافات السياسية، مع قدر غير قليل من الإفتاء فيما نفقه وما نجهل، ومعها بالطبع توابل المنظور الديني الذي لم يعتق المفاعلات النووية من دس أنفه فيها.

    وحيث إن مصر مقبلة على عصر نووي، فحري بنا تثقيف أنفسنا، وليس إثقالها بهري مقاهٍ لا طائل منه إلا ملء وقت الفراغ. جانب من نجاح أو إخفاق المشروعات الكبرى يكمن في مدى فهم ودعم المواطنين للمشروع وأهدافه وفائدته والإلمام كذلك بمخاطره.

    يدخل العالم العقد السابع من عمره النووي، ما يعني أن دولاً عدة سبقتنا في هذا المسار، ويمكننا الاطلاع على خبراتها وما آلت إليه أحوالها، مع الأخذ في الاعتبار أن التقنيات في حالة تحديث مستمر، ومعايير الأمان تخضع لمراجعات.

    واقع الحال يشير إلى أن "صناعة" المفاعلات النووية وتوليد الطاقة منها، طالما أحاطته هالة من الغموض والسرية، وهذا مفهوم بحكم الارتباط الوثيق والأكيد بعوامل أمنية وسياسية وعسكرية، حيث الخوف من تحول مموه من الأغراض السلمية إلى الحربية، أو استخدام تلك الحجة لشن هجمات أو ما شابه.

    الفترة المقبلة ستشهد العديد من الفعاليات الدولية حول الطاقة النووية ومستقبلها وحقيقة ما تمثله من أخطار وإمكاناتها وما يمكن توقعه منها، لا سيما بالنسبة إلى المفاعلات التي قاربت على الإحالة إلى التقاعد في دول غربية عدة، أو تلك التي توشك على التشييد في عدد من الدول النامية. ولعل هذه الفعاليات فرصة جيدة لفتح هذا الملف بطريقة هادئة في مصر بعيدًا عن الهبد والرزع. فلا الترويج للطاقة النووية دعمًا لقيادة سياسية أو ارتكازًا على مشاعر أو أهواء- مفيد، ولا معارضتها للأسباب نفسها- مجدٍ.

    المجدي هو متابعة النشاط الدائر حالياً من تقارير ومؤتمرات حول الطاقة النووية، وطرح القضية للنقاش من قبل الخبراء والقادرين على إدارة حوار دون صراخ أو بغرض تحقيق أعلى نسب مشاهدة. فمثل هذه الأمور لا تدار بالبركة أو الفهلوة أو البلطجة.

    445 مفاعلًا نوويًا تعمل في 30 دولة حول العالم، وسبعة عقود من توليد الطاقة النووية، وتصاعد مستمر للحاجة إلى مصدر نظيف للطاقة- تعني أن علينا فهم ومعرفة ما يدور دون تهويل في الفوائد أو تهوين للمخاطر.

    إعلان

    إعلان