• أصحاب الهمم (11).. بين العبقرية والجنون "1"

    د طارق عباس

    أصحاب الهمم (11).. بين العبقرية والجنون "1"

    د. طارق عباس
    09:00 م الخميس 12 سبتمبر 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    اسمه صنعته عبقرية فنية متفردة، وضعته في مصاف أهم الفنانين التشكيليين وأعظمهم على الإطلاق في العالم، عاش حياته بائسًا شريدًا وحيدًا بلا أصدقاء ولا أحباب، إلى الحد الذي جعله أسير النوبات العقلية والأمراض النفسية التي توالت عليه وأفقدته الاستقرار الضروري لصياغة عالم يعينه على الإبداع والتميز، ومع ذلك استطاع مع كل نوبة كانت تصيبه أن يستجمع قواه وينتج أروع لوحاته، لم يلقَ فنانا الاهتمام الجماهيري اللائق به طيلة حياته لكن بعد رحيله بثلاثين سنة أعاد العالم اكتشافه وابتعث إنتاجه الفني من جديد، وبيعت لوحاته بملايين الدولارات، بل أصبحت تُدرَس وتُدَرَّس للعشاق والراغبين في التزود بثراء الخيال وعبقرية تكوين الألوان وانسجامها.

    إنني أتحدث هنا عن الفنان المعذب والعبقري المجنون "فينسنت فان جوخ"؛ رائدٍ من رواد ما بعد الانطباعية والتعبيرية في الفن التشكيلي، والذي رغم قِصَر فترة حياته والتي لم تجاوز 37 سنة إلا أنه استطاع في آخر 5 سنوات منها أن يبدع أكثر من 800 لوحة فنية رائعة، لا تزال حديث واهتمام الناس بالرغم من تباعد الشقة بينهم وبين الفترة الزمنية التي أنتجت فيها تلك اللوحات.

    وُلِدَ "فينسنت فان جوخ" في 30 مارس 1853، ببلدة صغيرة – لا يزيد عدد سكانها على ألف نسمة – وكانت تسمى "زندرت" في "هولندا" وقد تصادف أن يجيء فينسنت بعد سنة واحدة وفي نفس التوقيت لوفاة أخيه المولود الذي كان يحمل نفس الاسم، الأمر الذي ترك تأثيرًا سلبيًا على شخصيته التي كانت متوترة دائمًا، فما أشقاه وهو يمر يوميًا منذ طفولته على قبر أخيه الذي كان يحمل نفس اسمه!

    كان فان جوخ ابن عائلة تنتمي للطبقة المتوسطة، وقد اشتهرت بميولها الدينية والفنية، فأبوه "ثيودوروس فان جوخ" كان كاهن البلدة وهو الذي زرع في أعماق الصغير القيم والمُثُل العليا التي غالبا ما كانت تتصادم مع السلوكيات المجتمعية الفاسدة والأفكار المشوشة والعادات المتناقضة وغيرها من الآفات السلبية التي تسلطت على واقع "فينسنت" وتنازعته بين "اليأس والأمل، الفوضى والاستقرار، المجون والتدين"، أما أمه فهي "آنا كورنيليا" ابنة العائلة الثرية المعروفة بالتجارة في الأعمال الفنية، كما كان أخوه "ثيو" وعماه "كور وسين" يمارسون تجارة الفن؛ ومنهم من كان يبيع اللوحات النادرة لملك هولندا في ذلك الوقت.

    لم تتوفر المعلومات الكافية حول فترة الصبا كما عاشها فان جوخ خاصة على مدى العشر سنوات الأولى، لكن الثابت هو أنه التحق بمدرسة داخلية وهو في سن الحادية عشرة مدة سنتين وكانت في مدينة "بزيفينبيرجين" وبعد ذلك التحق بمدرسة "ويليام الثاني الثانوية" في "تيلبيرج"، ولم يمضِ بها أكثر من سنتين أخريين، ثم تخلى نهائيًا عن التعلم في المدارس ولم يكن يجاوز وقتها الخامسة عشر من عمره.

    هنا أدرك أحد أعمامه – بواقع من مسؤوليته – أن الشاب في حاجة لأن يستثمر طاقته؛ لذلك وفر له عملا في المؤسسة التي كان يعمل فيها "مؤسسة جوبيل" وهي مؤسسة لتجارة الفن، وكان مقرها في "لاهاي"، وقد استطاع الشاب لأناقته وذكائه وحسن إدارته للوظيفة التي أوكل بها، أن يكسب احترام المسؤولين بالشركة وثقتهم وأن يثبت كفاءته، لذلك قررت الشركة نقله لإنجلترا من أجل إدارة فروعها في لندن، وظل هكذا مدة سبع سنوات إلى أن وقع في حب إحدى الفتيات وكان اسمها "سيولا"، لكنه عندما طلبها للزواج استهانت به ونفرت منه ورفضته بخشونة منقطعة النظير، الأمر الذي دفع به للسقوط في غياهب الإحباط والأسى بل ودفعه دفعًا للفرار إلى الدين حيث انكب على التزود بتعاليمه ومبادئه، وراح أثناء عمله ينشرها بين الناس، وبمجرد أن نما لإدارة الشركة أنباء عن تصرفاته وانصرافه عن جماليات اللوحات الفنية إلى الحديث في المواعظ والدعوة لعمل الخير وترك الشرور حتى اتخذت الشركة قرارها بفصله، إلا أنه عندما عَلم بالقرار سارع هو إلى تقديم استقالته.

    إعلان

    إعلان

    إعلان