• خمس فوائد لنوم المراهقين

    د. عبد الهادى محمد عبد الهادى

    خمس فوائد لنوم المراهقين

    د. عبد الهادى محمد عبد الهادى
    11:44 ص الأربعاء 07 أغسطس 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    عندما أعلن مجلس إدارة مدارس "كولومبيا الحديثة" في الولايات المتحدة الأمريكية نيته تقديم بداية اليوم الدراسي في مدرسة "روك بريدج" الثانوية من الساعة 7:50 صباحًا ليصبح الساعة 7:20 صباحًا، اعترض كثير من الطلاب والأهالي، وقالت طالبة تدعى "جيلي": "إذا حدث ذلك سأموت، أو سأرحل من المدرسة"!

    فلماذا يجد المراهقون صعوبة في الاستيقاظ مبكرا؟

    ولماذا تتجه إدارات تعليمية عديدة إلى تأخير بداية اليوم الدراسي - بدلا من تقديمها- خاصة في المدارس الثانوية؟

    الإجابة في مجال علوم النوم، وهي علوم حديثة قامت على أسس تجمع بين الفيزياء والكيمياء وعلم وظائف الأعضاء "الفسيولوجيا"، وتتداخل مع علوم الأعصاب والطب النفسي.

    وطبقا لآخر ما توصلت إليه هذه العلوم يحتاج المراهقون إلى 9 ساعات من النوم يوميًا تقريبًا، لكن تأخرهم في النوم وبداية اليوم الدراسي مبكرا لا يسمحان لهم بالحصول على أكثر من 7 ساعات يوميا، ولأنهم لا ينامون بما يكفي يشعرون بالنعاس ويستغرقون وقتا أطول في الوصول إلى اليقظة الكاملة، ويؤثر ذلك في درجة تركيزهم وانتباههم وقدرتهم على التعلم والتذكر.

    ظل النوم قرونًا طويلةً سرًا غامضًا وموضوعًا للأساطير، حاولت الأديان والفلسفات القديمة تفسير النوم، لكنه كان تفسيرا مبهما غامضا وغير قابل للقياس، وكان الفيلسوف اليوناني "إمباذوكليس" يرى أن النوم هو ابتراد طفيف في حرارة الدم ينتج عن انفصال عنصر النار عن العناصر الثلاثة الأخرى المكونة لكل شيء، الماء والهواء والتراب، وكان "أبقراط" يعتقد أن ابتراد أطراف النائم ينشأ عن انسحاب الدفء إلى المناطق الداخلية في الجسم، أما "أرسطو"، فكان يعتقد أن الطعام الذى نأكله يـطـلـق أبخرة في العروق، وأن حرارة الجسم تسـوق هذه الأبخرة لتتجمع في الرأس لتسبب النوم، وقال "الإسكندر الأفروديسي" إن التعب والإرهاق يؤديان إلى جفاف الجسم وفقدانه الحرارة لينتهي إلى النوم.

    وكتبت راهبة ألمانية تسمى "هيلد جارد" في القرن الثاني عشر عن العلاقة بين الطعام والنوم، كانت ترى أن الإنسان يتألف من جزأين، هما اليقظة والنوم، وأن الجسم يتغذى بالطعام والنوم، وأن البشر بحاجة إلى التقوية عن طريق الغذاء والراحة، وأن الطعام يؤدي إلى نمو اللحم، ويستعيد النخاع بنـاءه وتـكويـنه أثناء النوم.

    كان الطبيب الشهير "باراسلسوس" في القرن السادس عشر يعتقد أن النوم يقضي على التعب الناتج عن العمل، ويعيد الانتعاش، ويوصي بأن نتبع مجرى الشمس، فنصحو عندما تـشـرق، ونـأوي إلـى الـفـراش عندما تغرب.

    حتى القرن التاسع عشر كان النوم يتم تفسيره- غالبا- باستخدام خليط غريب الحقائق والأوهام، من الطبيعة والميتافيزيقا، من العلوم الحقيقية والعلوم الزائفة، فزعم البعض أن النوم ينشأ عن نقص في الأرواح الحـيـوانـية التي تستنزف في العمل طوال النهار، وادّعى آخرون أن سائلًا في المخ يستهلـك بـالـتـدريج، فيسبب النوم، أو أن الدم المتكثف في الرأس يسبب ضغطا على المخ يؤدى إلى نقص في سريان الأرواح إلى الأعصاب.

    اكتشاف الأوكسجين كان خطوة كبيرة للأمام في فهم النوم، فذهب عالم الفسيولوجيا الألماني "جاكوب آكرمان" إلـى أن أوكسجين الهواء الذي نستنشقه ينطلق منه "أثير الحياة" الذي يصل مع الدم إلى المخ ليقوم باستخلاصه واختزانه، ثم بعد ذلك تدفعه قـوى ما إلـى الأعـصـاب والـعـضـلات لـتدب "الحركة الحيوانية" في الجسد.

    ومع ثورة العلوم الطبيعية في القرن التاسع عشر، عرفنا أن النوم يحدث في مراحل متتابعة، وبرهن عالم الفسيولوجيا الألماني "كولشيتر" على أن النوم يكون أشد عمقا في الساعات القليلة الأولى ثم يقل عمقا بمضي الوقت، لكن أكبر الاكتشافات المتصلة بالنوم كان اكتشاف تموجات كهربية تحدث في المخ أثناء النوم، وأن هذه التموجات يمكن تسجيلها، وأصبحت دراسة النوم عن طريق النشاط الكهربي للمخ ممكنة، بعدما اخترع الطبيب النفسي الألماني "هانز بيرجر" جهاز "رسام المخ الكهربي"(EEG) في ثلاثينيات القرن الماضي.

    كان الطبيب البريطاني "ريتشارد كاتون" قد نجح منذ 1875م في قياس وتسجيل النشاط الكهربي لمخ بعض الحيوانات كالفئران والكلاب والقردة، فسار "بيرجر" على نهجه وبدأ تجاربه على الحيوانات، وبعد سنوات وجد متطوعين من البشر استسلموا يائسين لأقطاب كهربية معدنية تلتصق في رءُوسهم، فسجل النشاط الكهربي للمخ والعضلات وحركة العيون في حالتي اليقظة والنوم، ووجد أن هناك نمطين مختلفين من النشاط الكهربي للمخ، واحد في النهار، وآخر في الليل.. منذ ذلك الوقت أصبح النوم ظاهرة قابلة للرصد والقياس والمقارنة، وازدهرت علوم النوم خلال نصف القرن الماضي، فأسست في كثير من دول العالم مختبرات لبحوث النوم، وأجريت آلاف التجارب على البشر والحيوانات والطيور والحشرات والكائنات البحرية، وتأسست جمعيات للمتخصصين في بحوث النوم، وخصصت مؤتمرات ودوريات علمية محكمة ورصينة نفسها لنشر كل جديد في علوم النوم.

    لكل نوع من الكائنات الحية ساعته البيولوجية، في المساء، تزيد كمية هرمون الميلاتونين في أجسامنا، ذلك الهرمون الذي يجعلنا نشعر بالنعاس، وتصل إلى ذروتها عند منتصف الليل، فندرك أن الوقت قد حان للنوم، وفى الصباح يقل تركيزه؛ ما يسمح لنا أن نستيقظ، وتبدأ عملية تكوينه في الغدة الصنوبرية عندما تتعرض شبكية العين للضوء.

    وتخبرنا كيمياء النوم أنه من الصعب على المراهقين الاستيقاظ مبكرا، لأن إنتاج الميلاتونين يتأخر لديهم ثلاث ساعات، مقارنة بالأطفال أو الكبار، وهذا هو ما يجعلهم ينامون متأخرا، وفى الصباح تكون أجسامهم لا تزال تفرز الميلاتونين، ما يجعلهم يشعرون بالنعاس وضعف التركيز وقلة الانتباه وتأخر الاستجابة للمؤثرات الخارجية.

    جمع الطلاب عددًا كافيًا من البحوث العلمية الموثوقة التي تدعم موقفهم الرافض للقرار، وبادرت الطالبة "جيلي" بتأسيس صفحة على "فيسبوك" وحساب على "تويتر" من أجل جمع كلمة زملائها وتنظيم اعتراضهم على تقديم بداية اليوم الدراسي، واحتشد الطلاب وذووهم لحضور اجتماع مجلس الإدارة الذي سيجري فيه التصويت على القرار.

    وفى يوم الاجتماع شارك كثير من الطلاب وأسرهم، فقاموا بتعليق الملصقات وتوزيع النشرات التي تدعم قضيتهم، ووقفت "جيلي" أمام مجلس الإدارة لتعرض رأى الطلاب، فقدمت حججا قوية وأدلة علمية لا تقبل الشك، الأمر الذي أقنع الإدارة بالتراجع عن تقديم بداية اليوم، بعدها قام الطلاب والطالبات بهجوم مضاد فطالبوا بتأخير بداية اليوم الدراسي، وقدموا بحوثا في علوم النوم تدعم مطلبهم، وبعد مناقشات مستفيضة ومداولات لشهور، وافق مجلس الإدارة على أن يقرع جرس بداية اليوم الدراسي عند التاسعة صباحا.

    فماذا حدث عندما أخرت المدرسة- ومدارس أخرى- بداية اليوم الدراسي؟

    تحققت منافع عديدة، ربح الطلاب أكثر من 5 ساعات نوم إضافية في الأسبوع، تحسنت معدلات الحضور، وزادت فترة تركيزهم أثناء النهار، وانخفضت معدلات الإصابة بالاكتئاب بين الطلاب، لكن النتيجة المثيرة للدهشة، كانت في انخفاض عدد حوادث السيارات التي تعرض لها المراهقون بنسبة 17% خلال العامين التاليين لتأخير بداية الدراسة في مقاطعة "فاييت" بولاية "كنتاكي".

    في ضوء النتائج المؤكدة لبحوث النوم، قامت 60% من المدارس الثانوية في الولايات المتحدة الأمريكية بتأخير بداية اليوم الدراسي إلى ما بعد الثامنة صباحا، وتقف العوامل الاجتماعية والخدمات اللوجستية المصاحبة لمثل هذا التغيير عائقا أمام المدارس الأخرى، وتبدأ معظم المدارس في عالمنا العربي عند الثامنة، وربما تبدأ قبل السابعة في بعض المناطق.

    فماذا تفعل، إذا كنت مضطرًا للاستمرار في مثل هذه المدارس؟

    أولا- تقليل التعرض ليلا لمصادر الضوء- كشاشات التليفزيون والكمبيوتر والأجهزة اللوحية والتليفونات الذكية، لأنها ترسل بإشارات "كاذبة" وخاطئة إلى المخ مفادها أن الوقت نهار، فيقل تركيز الميلاتونين، ما يعنى أنك لن تشعر بالنعاس، ومن ثم لن تنام في الوقت المناسب. ثانيا- تجنب النوم متأخرا حتى في عطلات نهاية الأسبوع، لأن تأخرك في النوم سيصيب ساعتك البيولوجية باضطراب قد يجعل استيقاظك مبكرًا أكثر صعوبةً خلال باقي أيام الأسبوع.

    قد يعترض الآباء والمسئولون الحكوميون على تأخير بداية اليوم الدراسي، وربما تقف عوامل اجتماعية ولوجستية حائلا دون هذا التحول، لكن النوم الجيد والكافي ضروري لنمو المراهقين بدنيًا وعقليًا ونفسيًا.

    والحلول الوسط ممكنة. والموازنة بين جدول نوم مناسب للمراهقين ومتطلبات المجتمع هدف يستحق المزيد من الاهتمام.

    إعلان

    إعلان

    إعلان