• الأمازون تحترق..!

    د. جمال عبد الجواد

    الأمازون تحترق..!

    د. جمال عبد الجواد
    09:00 م السبت 24 أغسطس 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    الحرائق المشتعلة في غابات الأمازون هي أهم حدث يجري في العالم الآن. حرائق الأمازون أكثر أهمية من الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، ومن سباق التسلح الروسي الأمريكي الذي تم تجديده مؤخرا، ومن الأزمة الاقتصادية العالمية التي يتوقع الخبراء حدوثها العام القادم.

    رئة العالم.. هذا هو اللقب الذي خلعه العلماء على غابات الأمازون، فمن غابات حوض نهر الأمازون، التي يقع أغلبها في البرازيل، يأتي 20% من الأكسجين الذي نتنفسه. لو احترقت غابات الأمازون فإنه ليس فقط ستقل كمية الأكسجين المتاحة، بل سيتم وضع كميات من الكربون الناتج عن الاحتراق في الغلاف الجوي بدلا منها؛ فاحتراق الأمازون هو كارثة مضاعفة مزدوجة، مرة بسبب الأكسجين المفقود، ومرة بسبب زيادة كمية الكربون في الهواء الذي نتنفسه. وتصور نفسك تتنفس الدخان الناتج عن حريق، بعد أن كنت تتنفس الهواء العليل في حديقة غناء بالغة الاتساع.

    يرى العلماء أن الوضع فعلا خطير، ولكنهم في الوقت نفسه، يحذرون من مبالغات منظمات المدافعين عن البيئة في المجتمع المدني.

    يقول العلماء إن الأمازون هي أهم مصدر للأكسجين على وجه الأرض، ولكنها لا تنتج أكثر من 6% من الأكسجين الذي نتنفسه، وليس 20% كما تزعم منظمات المجتمع المدني؛ وأن تحويل الأمازون إلى مزارع، بدلا من الغابات لن يمنعها من إنتاج كمية الأكسجين نفسها.

    المشكلة هي أن هناك أشياء لا يمكن تعويضها، ومن بينها تلك الأشياء التي استغرقت الطبيعة آلاف السنين لتكوينها، وفي غابات الأمازون الكثير من هذه الأشياء.

    غابات الأمازون هي معجزة من معجزات التطور الطبيعي، وإذا خسرناها، فيكون من الممكن استعادتها مرة أخرى.

    الحرائق في الأمازون تدمر أشجارًا وحياة نباتية تكونت عبر مئات السنين، وإذا ضاعت سيكون من شبه المستحيل استعادتها.

    تدمير الحياة النباتية في الأمازون يدمر البيئة المناسبة لحياة أكبر تجمع للأحياء الطبيعية في العالم، وإذا خسرنا هذه البيئة، فستنقرض حيوانات وحشرات ونباتات لن يكون من الممكن استعادتها أبدا.

    لو حرائق الأمازون تجلب كل هذه المصائب، ولو الأمر بهذا الوضوح والبساطة، فمن يشعل الحرائق في الأمازون إذا؟ إنهم أصحاب المصلحة، بدءا من فلاحين فقراء يزيلون الأشجار من قطعة أرض صغيرة لزراعتها بمحصول يعتاشون منه، وصولا إلى شركات كبرى تزيل الأشجار من مساحات هائلة لتحويلها إلى مزارع أو مراعٍ لتربية الماشية لكسب الأموال.

    لكن حتى هذه الشركات الكبرى تحقق مصالح بعض الفقراء أيضا، وأقصد بذلك الآلاف من الباحثين عن فرص عمل في مزارع الشركات الكبرى.

    أنصار البيئة يشيرون بأصابع الاتهام للرئيس البرازيلي بولسينارو الذي تم انتخابه في نهاية العام الماضي؛ فمنذ انتخابه، وتنفيذا لما وعد به في حملته الانتخابية، أزال الرئيس البرازيلي قيودا كانت تمنع الاستثمار التجاري لغابات الأمازون، في إطار سياسة تضع النمو الاقتصادي أولا، وتسعى لحل مشكلات البرازيل الاقتصادية عن طريق استثمار مواردها الطبيعية، وأهمها أراضي الغابات.

    يقول العلماء إن شهر يوليو الماضي شهد زيادة في أنشطة حرق الغابات بنسبة اقتربت من 300% عن متوسط المساحات التي يتم حرقها شهريًا، وأن استمرار هذه المعدلات سيصل بمساحة الغابات المحترقة هذا العام إلى عشرة آلاف كيلو متر مربع، أي نفس قدر بلد بمساحة لبنان.

    الرئيس البرازيلي بولسينارو وأنصاره مندهشون من الانتقادات التي يتعرضون لها، ويتساءلون: أليس هذا هو ما تفعله كل الأمم الأخرى؟

    ألا تشجع الحكومات استثمار الموارد الطبيعية الموجودة فوق وتحت سطح أرضها؟

    أليس هذا هو نفس المنطق الذي يتم به استخراج النفط والغاز في بعض البلاد؟

    ألا يؤدي حرق النفط لانبعاث أطنان الكربون في الغلاف الجوي، فتعود لنا لكي نتنفسها برئاتنا الضعيفة؟

    لماذا تحرم البرازيل من الاستفادة من ثرواتها الطبيعية من أجل تنظيف الهواء الذي يقوم الآخرون بتلويثه؟

    لماذا يبقى أهل البرازيل فقراء وبلا فرص عمل، فيما يغتني الناس في بلاد أخرى بتلويث البيئة واستغلال الموارد الطبيعية؟

    الكلام الجد هو أن العالم كله يجب أن يساهم في الحفاظ على غابات الأمازون لأن من مصلحتنا جميعا الإبقاء على هذه المعجزة الطبيعية، وتحقيق ذلك يتطلب المساهمة في تعويض البرازيل عن الفرص التي تضيع عليها نظير قيامها بهذه الخدمة للجنس البشري نيابة عن جميع أهل الأرض.

    بعبارة أخرى، فإن حماية البيئة ليست فقط مسألة دعاية واتهامات، لكنها مسألة سياسات وتضحيات، على الجميع المشاركة في رسمها والتعاون في تنفيذها.

    إعلان

    إعلان

    إعلان