• ما تحتاجه سوريا اليوم

    محمد جمعة

    ما تحتاجه سوريا اليوم

    محمد جمعة
    09:00 م الأربعاء 24 يوليه 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    المستنقع السوري وتداعياته الداخلية والإقليمية لا تزال معقدة للغاية، ولذلك سوريا اليوم في أشد الحاجة لمشاريع برامج للقوى المعتدلة – لا المتطرفة دينيا أو عرقيا – التي تحترم حقوق الإنسان وحقوق الأقليات بما يضمن لها حريتها الدينية والثقافية.

    عادة في مجتمع ما بعد الصراع، وفى أعقاب الصراع العنيف مباشرة، تطالب العرقيات والطوائف المختلفة بحصص ثابتة من السلطة كضمانة لهم، بسبب انعدام الثقة في الآخر. كما يصعب في تلك المرحلة أن تجد أي حراك اجتماعي أو سياسي يتخطى خطوط الانقسامات العرقية والطائفية، وإنما يتمسك الناس بهويتهم البدائية ومجموعات التضامن الخاصة بهم، بدلاً من الانتقال إلى تضامن وطني بين الطوائف.

    سوريا اليوم ربما ينطبق عليها هذا الوضع بدرجة كبيرة، مع بعض الفوارق المهمة، منها أنه لا تزال هناك مساحة أمام دور بارز للجان المصالحة الوطنية المحلية، وقوى المجتمع المدني التي كان لها دور ملموس في اتفاقيات خفض التوتر هناك.

    أيضا الحرب لم تنته بعد بشكل كامل، وربما التوصيف الدقيق للوضع في سوريا اليوم أنه في مرحلة انتقالية بين الحرب وما بعد الحرب. ومن حسن الحظ أن سوريا لا تزال تتمتع بميزة كبيرة وهي أنه يمكنها اليوم إحياء هياكل دولتها التي لم تتفكك تماما أو تصبح غنائم للميليشيات المختلفة وأمراء الحرب المناطقيين.

    ومن خلال اعترافنا بالتشوهات الاجتماعية التي حدثت في النسيج الوطني هناك نتيجة استمرار الصراع طيلة السنوات الثمانية الماضية. وأيضا بالنظر إلى ديناميكيات الصراع في سياق هذا الجمود السياسي الممتد، وكذلك ديناميكيات خفض التصعيد (كما أكدتها التجربة من خلال اتفاقيات خفض التوتر المختلفة)... فإن سوريا اليوم تبدو في حاجة شديدة إلى بلورة نموذج حل النزاع الذي يجمع بين استراتيجيات الحل من أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى أيضا. والذي يربط بين النهجين الوطني والمحلي لتسوية الصراع. بمعنى أن أي اتفاق على المستوى الوطني لن يكون مستدامًا بنفس القدر إذا لم ترافقه ترتيبات محلية شاملة تعالج تأثير المحفزات الاقتصادية وراء استمرار الصراع، وعدم التوازن الخطير بين الفصائل العسكرية والمجتمع المدني.

    أيضا، لقد أظهرت التجربة السورية حتى الآن أنه ولكى يتم وقف إطلاق النار على المستوى الوطني، فإن مجموعات المجتمع المدني تمثل أفضل خيار ممكن للمحكمين المحايدين على الأرض للحفاظ على السلام والإعراب عن المخاوف بين خطوط الانقسامات السياسية والاجتماعية. ومن ثم فإننا نؤمن بأن إشراك الجماعات المدنية في مفاوضات السلام تمثل خطوة حاسمة في هذا الاتجاه. وذلك بالنظر إلى ما يشكله هؤلاء من صوت معبر عن احتياجات وتوقعات المجتمعات المحلية في المناطق المختلفة من أرض الوطن. فضلا عن مشاركتهم التي تتيح فرصة الحصول على مقترحات تفصيلية تضمن التوصل إلى اتفاقيات قوية، بما في ذلك آليات للاستقرار.

    من ناحية ثالثة، إذا كانت المشاركة الدولية من جانب روسيا على وجه الخصوص قد وفرت ضغطًا كبيرًا ضد المزيد من المواقف الإيرانية المتشددة، وجماعات المعارضة العسكرية المتطرفة، وغيرهم من المفسدين. وإذا كانت مشاركة الأمم المتحدة (ولو بدرجة محدودة، ولكن حاضرة ومشاركة على الأرض) مهمة أيضا لتخفيف كل من النفوذ الروسي والإيراني وتوفير منصة لمناقشة الاحتياجات المدنية... فإننا هنا نرى أن هذه الرافعة الدولية تبدو مهمة لتمكين إبرام صفقات محلية أكثر استدامة. وأن هناك حاجة إلى مشاركة دولية أكثر منهجية لإنتاج ترتيبات محلية يمكن أن تتعامل مع الأبعاد الهيكلية للصراع وفرص التحول التي تظهر على المستوى المحلي. وينبغي بذل كل هذه الجهود تمشيا مع الجهود السياسية على المستوى الوطني.

    نقطة أخيرة، إذا كنا نؤيد جميعا وقف إطلاق نار مستدام على المستوى الوطني، فإننا نرى أهمية للتنبيه إلى التداعيات الخطيرة لإدارة ما سيترتب على ذلك من معطيات على الأرض. بمعنى، أنه وبالنظر إلى الحجم الهائل للنزوح الذي حدث على مدار السنوات الماضية، فمن المرجح أن يؤدي وقف إطلاق نار مستدام على المستوى الوطني إلى تدفقات هجرة غير مسبوقة حيث سيعود النازحون إما إلى منازلهم أو ينتقلون إلى مجتمعات جديدة. وعليه تتبدى أهمية اختيار أفضل الطرق لإدارة هذه العملية، وذلك بالنظر إلى أنه سيكون لأسلوب الإدارة هنا تداعيات على مدى عقود مقبلة في داخل سوريا.

    إعلان

    إعلان

    إعلان