• تغيير المفهوم الجغرافي لشرق الغرب في "كارلوفي فاري" السينمائي

    د. أمل الجمل

    تغيير المفهوم الجغرافي لشرق الغرب في "كارلوفي فاري" السينمائي

    د. أمل الجمل
    09:00 م السبت 13 يوليو 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    منذ ظهورها - منذ أكثر من عقد من الزمان - أصبحت مسابقة "شرق الغرب" بمثابة نقطة توقف أساسية ومحطة رئيسية لوكلاء المبيعات، للمشترين والموزعين، وكذلك مبرمجي المهرجانات الذين يتطلعون إلى متابعة نبض الحركة السينمائية بالمنطقة، فكما تقول "لينكا تيرباكوفا" المبرمجة بالمهرجان التشيكي العريق الذي أتم عامه الرابع والخمسين: "نعتقد أن كلا المشروعين الجديدين اللذين تم اختيارهما بعناية في برنامج: "في مرحلة التطوير"، إضافة إلى العروض الأولى المثيرة للاهتمام في مسابقة "شرق الغرب" هما برامج جاذبة بقوة للسينمائيين".
    "عندما فتحت مسابقة "شرق الغرب" بمهرجان "كارلوفي فاري" السينمائي أبوابها قبل عامين لتقديم عروض من الشرق الأوسط، كان هناك إحساس وقرار قد اتخذ بأن الوقت قد حان للتخلي عن التعريف السياسي لدول "شرق الغرب"، هكذا أشار "كاريل أوتش" المدير الفني لمهرجان "كارلوفي فاري".
    على الرغم من أن هذه ليست المرة الأولى التي يُعيد فيها المسؤلون عن هذا القسم كتابة حدوده، فقد تمت دعوة كل من اليونان وتركيا وقبرص أيضًا للمشاركة والمنافسة بتلك المسابقة منذ عدة أعوام، إلا أن القرار الجديد كان يحمل دلالة قوية واضحة على أن المنافسة المعروفة منذ زمن طويل بمناصرة الأصوات السينمائية الجديدة المتميزة أخذ في التطور لمواكبة العصر ومستجدات السينما.

    فهذا التمديد الجغرافي وإعادة التعريف للمفهوم هو الذي سمح بمشاركة الفيلم السعودي "آخر زيارة" للمخرج عبدالمحسن الضبعان في أول تجاربه الروائية الطويلة بتلك المسابقة شديدة الأهمية والتي تحتل المرتبة الثانية بالمهرجان بعد المسابقة الرسمية مباشرة.

    رغم ما سبق لا يمكن القول أن اختيارات هذا العام ليست استثناءً، حيث يمثل التجريب السردي ورواية القصص المثيرة للتفكير والجدل الكبير ملمحاً بالعديد من الأفلام الاثني عشر المتنافسة بالمسابقة. وعن ذلك تقول المبرمجة "لينكا تيرباكوفا": "نحاول دائمًا أن نجمع اختيارًا متنوعاً جامعاً للأطياف والألوان الثقافية، والأساليب الفنية المختلفة، والأنواع الفيلمية المتباينة. مثلما نهدف إلى اكتشاف أصوات المؤلفين المميزين الذين يقدمون أعمالهم بشكل مقنع عن العالم من حولنا".
    والمتأمل لأفلام مسابقة "شرق الغرب" هذا العام سيجدها حافلة بالصراعات العائلية ومشاكل النساء وقضاياهم المتعلقة بالاعتداءات الجنسية عليهن أثناء الحروب، عن الأطفال الذين يدفعون ثمن الحروب، فعلى سبيل المثال شارك من "كوسوفو" فيلم "بيت أجا" من توقيع "لينديتا زيكراج". والتي تقدم عملاً يجعلنا نتعاطف بقوة مع شخصياتها الثرية المتفردة، فقد رسمتهن بملامح تتميز بالأصالة التي أعادت بها خلق عالم نابض بالحياة من بطلاتها الإناث.
    مثلما شارك من "التشيك" مثلاً فيلم "نوع معين من الصمت" الذي ينتمي للدراما النفسية للمخرج التشيكي الصاعد "ميكال هوجناور" والذي يتناول أيضاً - في أحد جوانبه - بعض أشكال التطرف في التربية وآثار ذلك على الأطفال، أما فيلم "مامونجا" للمخرج الصربي "ستيفان ماليسيفيتش" فيُعد عملاً سينمائياً مميزاً في أسلوبه السردي وأداء أبطاله، وكأنه مسرحية من ثلاثة فصول، لكن رغم اعتماده علي فكرة الثلاثية أو الفصول الثلاثة فإنه لا يستخدم لغة المسرح الحوارية إلا نادراً، ويعتمد أساساً علي لغة السينما والصور البصرية المعبرة، والخيال الذي يجعلنا نتصور ما يدور خارج الكادر من مآسي وجرائم تتعرض للنساء.

    الفيلم الأوروبي الجديد
    التطوير لا يقتصر فقط على مسابقة "شرق الغرب"، فهناك عديد من المحاولات المستمرة للإضافة والتجديد والجذب، فمثلاً في عام ٢٠٠٨ تم ابتكار الأفلام القصيرة التي يقوم ببطولتها نجوم عالميون ومشاهير تم تكريمهم بالكرة الكريستال – "الكريستال جلوب" - والتي تسخر أحياناً بشكل لطيف وظريف وكوميدي من فكرة الجوائز، بشكل يُوحي بثقة المنظمين بأنفسهم، ووعيهم بأن الجوائز إلى زوال وما يتبقى هو العمل الفني.

    نضيف إلى ما سبق - وإلي جانب المسابقات المتنوعة والجوائز بالبرامج الموازية للمسابقة الرسمية، وجائزة الجمهور، والجوائز التي تمنحها هيئات خاصة - هناك جوائز معنوية تتمثل في تقييم النقاد "الفيبريسي"، والتي تتولى مسؤولياتها مؤسسة الفيلم الأوروبي الجديد، التي تُغطي صناعة الأفلام والتليفزيون من وسط وشرق أوروبا، ومن خلال رسائلها الإخبارية المتوالية يمكن رسم صورة لوضعية السينما في المنطقة، ومناطق الدعم السينمائي والاهتمام بصناعة الأفلام فمثلاً تمنح وكالة شمال مقدونيا منحًا ودعماً يتجاوز المليون يورو ويستفيد منها نحو ١٥ فيلمًا متنوعاً، بين أفلام قصيرة ورسوم متحركة وأفلام وثائقية. بينما قام المركز الوطني الجورجي للسينما بتقديم دعم يبلغ نحو ١٥٠ ألف يورو لإنتاج ثلاثة أفلام روائية منخفضة التكلفة. إضافة إلى دورها في التعريف بالمخرجين والمنتجين الجدد، ومتابعة أعمال صناع الأفلام والكشف عن مناطق التميز بأعمالهم، والمساهمة في معرفة كيف يستقبل النقاد تلك الأعمال، ومن بين تلك السبل دورها بمهرجان "كارلوفي فاري" فتختار مجموعة محدودة من النقاد -كانت كاتبة هذه السطور للعام الثاني على التوالي أحد النقاد المشاركين بها- لتقييم الأفلام في ثلاث مسابقات هي كالتالي: "المسابقة الرسمية" وتتضمن ١٢ فيلماً، "مسابقة شرق الغرب" وتتضمن ١٢ فيلماً، وأخيراً "مسابقة الفيلم التشيكي" خلال عامي ٢٠١٨ و٢٠١٩، والتي يتم نشر نتائجها ليلة ختام المهرجان بالأسماء كاملة وأمام كل منها تقييم كل ناقد لجميع الأفلام التي شاهدها.

    ربما بعض ما سبق يقدم ملمحاً مهماً وكاشفاً عن مهرجان "كارلوفي فاري"، ويُفسر في أحد جوانبه لماذا لا يزال المهرجان قادراً ومتمكناً من الحفاظ على أهميته الثقافية بعد مرور ثلاثين عامًا من الثورة المخملية، فقد مرت ثلاثة عقود على حصول الجمهورية التشيكية على حريتها واستقلالها، ولا تزال هذه الروح المستقلة التواقة للحرية والتحليق عالياً قوية متأججة في كل من جوانب مهرجان "كارلوفي فاري" السينمائي الذي أعلن موعد انطلاق دورته الجديدة في الثالث من يوليو ٢٠٢٠.

    إعلان

    إعلان

    إعلان