• "الشيخ فرح وَدْ تَكْتُوكْ حلَّال المَشْبوك"

    د. أمل الجمل

    "الشيخ فرح وَدْ تَكْتُوكْ حلَّال المَشْبوك"

    د. أمل الجمل
    09:13 م السبت 15 يونيو 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    كان- ولا يزال- بمنزلة خِزَانة الحكايات ونبع لا ينضب. إنه الرسول الذي ينقل إلينا تلك الحكايات بسحرها وأساطيرها، بطرق السرد الممتعة المتباينة المشوقة، وأثناء ذلك ينقل إلينا بعضاً من معارفه، أو يفتح أمامنا سراديبَ ملغمة بالقصص والشخصيات، يُطلعنا على حيواتٍ تُضيف معنًى على حياتنا. إنه قائدنا إلى تلك الدهاليز بأسرارها وعوالمها الخفية والمستبطنة بداخل النص الإبداعي والكاشف لنا عن مصائر أبطاله.

    أتحدث عن «الرواي العليم» أو الروائي المتخفي في ثوب «الراوي العليم»- أي الصّوت الذي يقوم بتتبّع مسار جميع الأحداث والشخصيّات مستخدمًا ضمير الغائب في الحديث عنهم- والذي ينتقده البعض، ويُطالبون بنبذ صيغته، مؤكدين على ضرورة التمييز بين صوت ووجود الراوي وبين المؤلف، على ضرورة أن يكون الراوي شخصية من شخصيات العمل الإبداعي، لأن وجود الراوي العليم- في نظرهم- يتسبب أحيانًا في خلخلة النص وتعطيل السرد، خصوصاً إن لم يكن هناك مبرر لوجوده زمانياً ومكانياً. ويرون أنه لا بد للراوي من أن يرتبط بالنص، مُعيدين طرح السؤال القديم المتجدد: «من أين تأتي كل هذه المعرفة لهذا الراوي؟»، وكأنه لا بد من تفسير وجود الراوي وتبرير علاقته بنص الحكاية بشكل قابل للتفسير العقلي المنطقي والفني.

    شخصياً، لست مع هذا الرأي، وأعتبره ينتقص من فنية العمل أحياناً، ويأخذ من شاعرية النص في أحيانٍ أخرى، كذلك لأنني ضد الأحكام المطلقة، خصوصاً في الفن، فلكل عمل معاييره وقيمه الفنية، فالفنون ظهرت في البداية ثم جاء التنظير لاحقاً. منذ أرسطو وكتاب فن الشعر. النظريات جاءت بعد تأمل الأعمال المسرحية والفنية التي حللوها، وحاولوا استخراج القواعد منها.

    لذلك، فإن الأسلوب الفني وقوة الطرح وموهبة المؤلف المبدع في رسم الشخصيات القادرة علي جذبنا بعوالمها- هي الفيصل والحكم. بها سوف ننسى موضوع الراوي، وربما يُصبح هامشياً أمام عمق وثراء الشخصيات وضخامة الحدث وقوة ودلالة التفاصيل، فلن يهمنا وقتها إن كان الراوي عليماً بالأمور، أو له علاقة بالنص والأبطال، وما أكثر الأدباء العالميين الذين حصدوا نوبل للآداب والذين وظفوا تقنية الراوي العليم، مثل أورهان باموق.

    أستعيد ذلك بمناسبة قراءتي أحدث روايات د. عمر عبدالعزيز عن الشخصية السودانية الأسطورية الشهيرة «الشيخ فرح».

    ليست بولوفونية
    تُعد رواية «الشيخ فرح وَدْ تَكْتُوكْ حلَّال المَشْبوك» للكاتب والفنان التشكيلي اليمني د. عمر عبدالعزيز واحدة من أصل خمس روايات لمؤلفها تنتمي للسير الغيرية، أو السير الذاتية. النمط المسيطر هنا أنها ليست رواية بولوفونية أي ليست تعددية.
    أما لفظ «البولوفونية» polyphony فيُقصد به أي موسيقى تصدر نغمتين أو أكثر في نفس الوقت، والكلمة مشتقة من اليونانية، وتعني تعدد الأصوات.

    لا تنتمي روايات د. عمر لذلك النوع، إنما تعتمد علي شخصية واحدة، وهذا أصعب، ويحمل بعض المغامرة والمخاطرة؛ لأن الروايات التي تنهض على شخصيات كثيرة تضمن التنوع والغنى والقدرة على جذب القارئ أكثر والاستحواذ عليه.

    مع ذلك، أفلت المؤلف من ذلك الفخ مرتين، مرة بسبب الراوي، ومرة بسبب الشخصية المحورية؛ فنجد فيها الراوي صوتا واحدا بارزا، هو الراوي العليم بالأمور، المُطلع على كل شيء والمفسر للتصرفات والمتتبع للبطل، والراصد لكل تحولاته، ومع ذلك لا تشغلنا مسألة الرواي العليم والتساؤلات المعتادة عن معارفه بالشخصية من أين تأتي؟ لأن قوة السرد وسلاسته، وطرحه للأفكار بغناها وعمقها، وحسها الصوفي تأخذنا مع تيارات السرد.

    تختلف رواية «الشيخ فرح» في أنها لا تعتمد على البناء الأفقي: حيث تعدد الشخصيات، لكنها تستند إلى البناء الرأسي؛ إنها أشبه بقصيدة شعر، أشبه ما تكون باللوحة الرأسية. تعتمد على شخصية مركزية، لكنها لا تخلو من توليد عناصر تُعزز هذه الشخصية ومن مكانتها، فالرواية، كما يصفها مؤلفها: أشبه ما تكون بـ«العجوز والبحر» عند هيمنجواي على سبيل المثال، أو رواية «المعطف» عند جوجول، أو رواية «عنبر رقم ستة» عند تشيكوف.

    إنها قصيرة مكثفة، تعتمد على الدفق الكتابي القصير. كتبتها في جلسة واحدة. بالطبع كان فيه تحرير وتهذيب وتشذيب واستبعاد، لكن قبل تلك الجلسة كان هناك تفكير طويل في الرواية، فلا بد أن أكون متشبعًا بها لأحقق تلك الدفقة».

    الخلاص الوجودي
    ينهض السرد على شخصية واحدة مركزية هي الشيخ فرح، المستهلمة من الحكايات الشعبية السودانية، شخصية رجل صالح، وزاهد اشتهر بأنه حكيم زمانه. هنا تختلط الأسطورة بالواقع المستمد من التراث الشفهي الشعبي.

    عاش الشيخ فرح، ودفن بقرية «ود تكتوك» في «سنار» بالسودان في القرن السابع عشر، إنه أحد الرجال الذين عُرفوا بالحكمة والفراسة والأقوال الخالدة، ذاع صيته بأنه حلال المشبوك نسبة لقدراته وإجادته تقديم حلول سريعة لأية إشكالية مهما عظمت.
    إنه ليس مجرد شيخ، ولكنه أيضاً حالة يُشبهها الكاتب بأنها «حالة من الخلاص الوجودي، تُعيد التوازنات التي كانت موجودة في يوم ما في هذه المنطقة بالعالم العربي، وكيف أن الناس كانوا يتعايشون بطريقة بسيطة، وكيف أن مفهوم الشيوخ والعارفين بالدين آنذاك لم يكن مفهوماً كُهنوتياً صُقوسياً. كان له مفهوم بسيط، وكان يشتغل مع الناس بنية خالصة. وهذا النموذج موجود في كل مكان».

    تعكس التفاصيل السردية بوضوح أسلوب مؤلفها في رسم وتجسيد القيمة الجمالية والروحانية التي تتوسم بها الشخصية. كما يطرح أفكاره بنكهة فلسفية سيكولوجية وسوسيولوجية طوال أجزاء الرواية المتتالية؛ فهي تنقسم إلى عدد من اللوحات المتداخلة التي يُكمل بعضُها بعضًا. والتي فيها تلتبس الذات بالمونولوج الذاتي إن جاز التعبير.
    استعان في أثنائها المؤلف بالعديد من المصادر السودانية المتنوعة؛ إذ يرتبط د. عمر عبدالعزيز بالكثير من الأصدقاء السودانيين الذين استمد منهم أفكاراً وشغفاً بالشيخ فرح الشخصية الرئيسة، ومن ثم بنى على تلك الأفكار تخييلاته الروائية، إذ يقول: «لم أكن مهتماً بالسيرة الذاتية بدقة، ولكن بالسيرة الافتراضية، وأنا بنيت عليها أشياء من عندي كثيرة».

    إنها رواية في مديح الشخصية السودانية لدرجة أن د. يوسف العايد يقول بمقدمة الرواية بأنه «ليس نصاً محايداً، فهو منغمس في صوفية أهلنا عربا ونوبة، ذاهباً إلى توصيف الشخصية السودانية وهويتها عبر معينات الروح والعقل والنفس والجسد».
    وعن ذلك الشغف يقول المؤلف: «منذ سماعي عن الشيخ فرح رافقني هاجس متجدد في أن أكتب عنه بوصفه تعبيراً بليغاً عن الوسطية والتسامح والحكمة، وأزعم أن السردية القصيرة التي استلهمتها من سيرته تجاوزت السيرة الذاتية إلى مستويات أخرى بسعة التاريخ والجغرافيا والإنثروبولوجيا السودانية».

    إن المؤلف يمنحنا الفرصة طوال المشاهد المتعددة المترددة بين الأزمنة المختلفة أن نجد ملامح من أساطير الأولين ومعجزاتهم في ملامح ذلك البطل:
    سنجد سمات الإنسان الزاهد المنغمس في تجريدات المثال المعجون بكل ما هو روحي.
    سنجد استعارات من المستقبل، وإضاءات على الماضي. معجزات أرضية، وطاقة سحرية وسط تأرجحات للمكان، وكأنه يعقد صلحاً بين الأزمنة الثلاثة، ويمزج الماضي بالحاضر والمستقبل في بوتقة واحدة مُدهشة.
    إنها مهارة، وثقافة، وعمق اطلاع الروائي الذي يقدم سرداً تتعانق فيه المفاهيم التشكيلية والبصرية والخوارزميات؛ لينسج مشاهده حول مفهوم التصوف الشعبي الممتزج بمنحى غرائبي من ناحية ومنحى ميتافزيقي من ناحية أخرى.

    إعلان

    إعلان

    إعلان