• كتاب "الملاك" والنوم في حضن العدو

    د. أحمد عمر

    كتاب "الملاك" والنوم في حضن العدو

    د. أحمد عمر
    09:44 م الأحد 03 مارس 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    للنوم في حضن العدو مظاهر كثيرة، أبرزها وأشدها وضوحًا الخيانة العظمى، والعمالة المباشرة للعدو، بالتآمر معه ضد مصالح وطنك وشعبك بحثًا عن مكاسب شخصية ومادية؛ مثلما فعل أكبر رمز للخيانة والعمالة في التاريخ العربي "ابن العلقمي"، وزير الخليفة العباسي "المستعصم"، الذي تواصل سرًا مع "هولاكو"، زعيم المغول، وساعده على دخول بغداد، على أمل أن يكون له مكانة خاصة عنده، وأن يُسلمه "هولاكو" إمارة المدينة.

    ومثله فعل أيضًا "خنفس باشا"، وهو الضابط علي يوسف، الذي خان- مع آخرين- الزعيم أحمد عرابي في معركة التل الكبير وتسبب في هزيمة فادحة للجيش المصري، أفضت إلى احتلال الإنجليز لمصر، وقد حصل مقابل تلك الخيانة على مكافأة مالية ورتبة الباشوية، لكنّ هناك أيضًا صورًا أخرى أقل وضوحًا للنوم في حضن العدو، ويمارسها الكثيرون دون وعي أو عن وعي لتحقيق مصالح شخصية، منها:

    الهزيمة النفسية الكاملة أمام العدو، والشعور بضآلتك وقوته، وبالتالي قناعتك باستحالة أن تكون ندًا له في أي صراعات قادمة.

    ومنها أيضًا أن تتبنى بالكامل رواية العدو لقصة وتفاصيل الصراع بينكما، والتي ينشرها العدو لأسباب دعائية خالصة، ليس لها أدنى علاقة بالحقائق، ثم تنشرها أنت وتروّج لها، بما يؤدي إلى تحقيق أهداف العدو في إضعاف الروح المعنوية، وإضعاف ثقة المواطن بمؤسسات بلده، والتأثير بالسلب على كرامة الوطن وسمعة أجهزته ورجاله.

    وفي حقيقة الأمر، فقد ثارت تلك الأفكار في رأسي بعد الحكم الذي صدر عن محكمة الاستئناف العسكرية المصرية الشهر الماضي، والقاضي بحبس أحد الناشرين المصريين خمس سنوات، لاتهامه بنشر أخبار كاذبة وإفشاء أسرار عسكرية، بعد قيامه بالاشتراك مع دار نشر لبنانية بتوفير طبعة مصرية من كتاب "الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل" للأكاديمي والمحلل الاستخباراتي الإسرائيلي يوري بار جوزيف، لتوزع في قلب القاهرة، ويصبح سعرها في متناول القارئ المصري.

    وهذا الكتاب يتبنى، ويروّج للرواية الإسرائيلية التي تقول إن أشرف مروان، صهر الرئيس جمال عبدالناصر، وسكرتير الرئيس أنور السادات للمعلومات، ورجله المُفضل في القيام ببعض المهام السياسية والدبلوماسية الخاصة، بعيدًا عن الأجهزة والدوائر الرسمية- هو أكبر وأهم عميل لإسرائيل في تاريخها! وهو "الملاك" الذي أنقذ إسرائيل من هزيمة كبيرة في حرب أكتوبر 1973، بعد أن سرّب لها تاريخ بداية الحرب وتوقيتها.

    وقد دفعني هذا الحكم لقراءة ومشاهدة مُعظم ما كُتب، وأنتج، وعرض عن حكاية أشرف مروان، وخاصة بعد تحول كتاب "الملاك" لفيلم سينمائي، وبعد إنتاج عدد من الأفلام الوثائقية والبرامج التليفزيونية لمناقشة تلك القضية، وعرض تفاصيلها وتأويلاتها المختلفة، ومناقشة مصير أشرف مروان.

    وفي النهاية، وجدتُني أما إشكالية مثيرة للحيرة؛ فالرواية الإسرائيلية عن عمالة أشرف مروان لهم، كما عُرضت في كتاب الملاك، مدعومة بأدلة منطقية ونفسية مصممة بدقة، لتُحدث تأثيرًا قويًا في عقل وقلب المتلقي، وتجعله يقتنع بها، ولكن القبول بتلك الرواية يمثل إهانة للدولة، وصفعة للكبرياء والضمير الوطني، ولهذا فإن التشكيك فيها وعدم الترويج لها هما الطريقة المثلى للتعامل معها، حتى لا تحقق أهدافها.

    والرواية المصرية أو بمعنًى أدق الرواية الأسرية الخاصة بعائلة أشرف مروان، التي دعمها وصف الرئيس الأسبق حسني مبارك لأشرف مروان بـ"الوطني المخلص" بعد مصرعه في لندن عام 2007، والتي تروّج لكونه عميلًا مزدوجًا، واستطاع تضليل إسرائيل- هي رواية تنقصها بعض الأدلة لترسيخها، على الرغم من صدور كتاب مهم في مصر يدعم تلك الرواية، بمعلومات واستنتاجات من واقع بعض الملفات السرية الأمريكية والإسرائيلية، وهو كتاب "أسرار أشرف مروان .. الصهر"، للأستاذ توحيد مجدي.

    في النهاية، أظن أن الكلمة الأخيرة حول حقيقة دور أشرف مروان لم تُعرف بعد، وربما لن تُعرف أبدًا.

    وأي رأي حوله يجب أن يكون على سبيل الظن والترجيح، وليس اليقين التام؛ وبخاصة مع صمت الأجهزة الأمنية المصرية عن الحديث فيها، مراعاة لضرورات الأمن القومي وحماية لأسرار الدولة، وهذا حق أصيل لها. ولهذا يجب عدم الترويج للرواية الإسرائيلية، كما عرضها كتاب "الملاك"؛ لأن هذا الترويج هو شكل من أشكال النوم في حضن العدو، ولأن الكتاب في ظني جزء من عملية استخباراتية، تهدف لتحقيق نصر معنوي لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بالتأكيد على التفوق الإسرائيلي، والتشكيك بشكل ضمني في حجم انتصار المصريين في حرب السادس من أكتوبر.

    كما تهدف تلك العملية إلى التقليل من شأن الأجهزة الأمنية المصرية، التي يقول عنها مؤلف الكتاب بالنص: "منظمة هاوية أقصى نجاحاتها القضاء على المعارضة داخل مصر، ولا تمتلك القدرة على خداع إسرائيل وأجهزتها الأمنية"، رغم أن الواقع وتاريخ الصراع مع إسرائيل يُثبتان قدرة الأجهزة الوطنية على مواجهة إسرائيل واختراقها في عقر دارها وإلحاق الهزائم بها، ويتضح ذلك من العمليات التي عرضها من واقع الملفات السرية لجهاز المخابرات الكاتب الراحل صالح مرسي في أعماله الروائية والدرامية التي شكلت وجدان جيل كامل من المصريين، وصَقَلت حسهم الوطني، وعمّقت مشاعر الانتماء لديهم: "دموع فى عيون وقحة"، و"رأفت الهجان"، و "الحفار" وغيرها.

    وأظن أن ترسيخ هذا اليقين ببطولات وتضحيات الآباء والأجداد في وعي ووجدان الأجيال المقبلة، هو ما يجب أن نسعى إليه، ونحرص عليه، حتى لا تخترقهم روايات العدو الموجهة، مثل التي وردت في كتاب وفيلم (الملاك)، والتي تريد أن تشكل وعيهم على نحو يُضعف ثقتهم بأنفسهم وأوطانهم، ويرسخ عندهم الإحساس بعدم القدرة على مواجهته في الماضي والمستقبل.

    إعلان

    إعلان

    إعلان