• إصلاح التعليم العالي والاتجاه نحو الجامعات الخاصة - الجزء السادس

    د. غادة موسى

    إصلاح التعليم العالي والاتجاه نحو الجامعات الخاصة - الجزء السادس

    د. غادة موسى
    09:00 م السبت 16 مارس 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    تنتشر الجامعات الخاصة أو الأهلية في كل أنحاء العالم. بل قد لا تعرف دول العالم الغربي تحديداً مفهوم الجامعة الحكومية، حتى وإن كان التعليم "حقاً"، فالحق هنا يتعلق بتمكين الحصول والوصول للتعليم الجامعي، وليس بدفع الرسوم الجامعية أو الإعفاء منها.

    ورغم ما سبق، توجد على سبيل المثال جامعات حكومية في ألمانيا، والدراسة بها تعتبر مجانية. منها على سبيل المثال جامعة هامبورج للتكنولوجيا، وجامعة الروهر في بوخوم، وجامعة التكنولوجيا في شتوتجارت.

    بالإضافة لجامعات أخرى استفادت من المرسوم الذي صدر عام ٢٠١٤ بإلغاء الرسوم الدراسية المفروضة على الطلاب الدوليين تحديدا، وبالتالي مساواتهم بالطلاب الألمان.

    كما تتجه حكومة النرويج، أيضاً، لتوفير التعليم العالي مجاناً للطلاب النرويجيين والدوليين على حد سواء. وحاليا يطلب من الطلاب الدوليين دفع مبالغ رمزية للجامعة تتراوح بين ٣٥ و٧١ دولارًا أمريكيًا.

    أما بالنسبة لفنلندا؛ فالتعليم مجاني للطلاب الفنلنديين، ويقوم الطلاب الدوليون بدفع رسوم من ٤٠٠٠- ٢٠ ألف يورو.

    اما في أيسلندا، فالتعليم العالي أيضاً مجاني، ويطلب من الطلاب المحليين والدوليين دفع ما يعادل ٦٦٠ دولارا أمريكيا كرسوم تسجيل لمرة واحدة فقط في بداية انضمامهم للبرامج الدراسية المقدمة.

    وتتميز فرنسا بانخفاض الرسوم الدراسية في الجامعات الحكومية الفرنسية، حيث تتراوح بشكل عام بين ١٥٠ و٩٩٠ يورو سنويًا. أما رسوم التعليم في الجامعات الخاصة، فتبدأ من ثلاثة آلاف يورو.

    ---

    وسواء أكانت مؤسسات التعليم العالي خاصة أم حكومية، فهناك توجه عام في دول أوروبا إلى خفض تكلفة التعليم العالي ليكون متاحًا لجميع الطلاب المحليين والدوليين، وجميع الدول الأوروبية تتبارى وتتنافس في هذا الاتجاه.

    والأمر نفسه ينطبق على روسيا، حيث تتيح جامعة موسكو الحكومية التعليم مجانًا للطلاب الروس والدوليين، باستثناء رسوم التسجيل.

    ولقد آثرت أن أبدأ بالحديث عن الجامعات الغربية نموذجًا تتطلع له كل الجامعات الحكومية والخاصة في مصر.

    كما أن تلك الجامعات- بالإضافة للجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة كنماذج كلاسيكية للتميز في التعليم العالي - يحقق معظمها ترتيبا دولياً.

    وإذا كانت تلك الجامعات بما لها من تقاليد في جودة التعليم وتنوع وشمول وحداثة المقررات الدراسية وتوافر وسائط التعليم المختلفة تتجه نحو فلسفة إتاحة التعليم العالي بصورة مجانية أو بخفض الرسوم الدراسية، فإن الوضع في مصر لا يزال يسير في الاتجاه المعاكس، رغم تباين الجودة بين الجامعات الخاصة في مصر بعضها البعض من جهة، وبينها وبين الجامعات الغربية في كل عناصر منظومة التعليم العالي من جهة أخرى. حيث أصبحت الدراسة في إحدى الجامعات الغربية الحكومية أو الخاصة في دولة أوروبية كفرنسا على سبيل المثال أقل من حيث التكلفة بمقارنتها بجامعات خاصة في مصر. وهو ما جعل الأولى مصدر جذب للعديد من الطلاب المصريين الذين يدرسون بجامعات خاصة في مصر.

    ويمكن تفسير هذا التوجه بكلمة واحدة وهي "التميز" أو " الميزة التنافسية" للتعليم الخاص في الخارج عنه في الداخل. فالداخل الخاص قد لا يقدم نفس جودة التعليم التي تقدمها الجامعات الخاصة الغربية أو الجامعات الحكومية الغربية.

    فالتعليم الجامعي الخاص في مصر تحكمه اعتبارات الاستثمار، وهي مقدمة على اعتبارات أخرى كثيرة، منها ما يتعلق بطبيعة المناهج وتنوعها، ومنها ما يتعلق بالكتب الدراسية وملاءمتها، ومنها ما يتعلق بالوسائط التعليمية كالمكتبات وتنوعها وثرائها والمعامل والمعدات والأجهزة المزودة بها.

    على الجانب الآخر، ما زال التعليم الخاص في مصر أسير ثقافة الجامعة. فلا توجد في مصر سوى الجامعات الخاصة. فكلمة معهد أو مدرسة لا تتفهمها الثقافة المصرية، على الرغم من أن أفضل المؤسسات التعليمية في الغرب تحمل عنوان المعهد أو الجامعة، مثل معهد "كارولينسكا" في استكهولم في السويد الذي يعتبر واحداً من الجامعات الطبية الرائدة في العالم. أو مدرسة لندن للاقتصاد التي لها برنامج ملحق بإحدى الجامعات المصرية الخاصة. كما يوجد المعهد الملكي التكنولوجي في الدنمارك، ويمنح شهادات دولية في العلوم التكنولوجية.

    ومن المثير للانتباه أنه كان يوجد في مصر، منذ فترة، قصيرة معهد عريق للدارسات الإفريقية تحول إلى مسمى "كلية"، وهو ما يكشف عن وجود عدم ترحيب، أو بعبارة أخرى ثقافة خجل من كلمة معهد أو مدرسة مقارنة بالغرب.

    ومع انتشار الاتجاه نحو إنشاء جامعات خاصة وأهلية من المفترض أن تقدم خدمة تعليم عالٍ متميزة وتنافسية، وعلى نفس قدم المساواة مع الجامعات الغربية، تبرز الحاجة إلى متابعة العملية التعليمية في تلك الجامعات لأهميتها، ومن جانب آخر حتى تتمكن من الحفاظ على طلابها وتحقيق الاستدامة التعليمية من جانب، وجذب الطلاب الأجانب، سواء من الدول العربية أو الإفريقية من جانب آخر.

    كما يقتضي الأمر تعديل وتطوير نظام إلحاق الأساتذة والمدرسين للتدريس بها، بحيث يمكن للأستاذ أو المدرس الالتحاق بالتدريس بها لفصل دراسي أو أكثر، دونما حاجة، لأن يكون عضواً بهيئة التدريس بها. وهو التوجه المعمول به في كل جامعات العالم، وهو ذات التوجه الذي يجب أن تعمل به أيضاً الجامعات الحكومية؛ إذ يتيح لها تجديد دمائها بالاستعانة بأساتذة ومدرسين بخبرات تعليمية وتدريسية متنوعة من جانب، كما يتيح للطلاب التعلم من أساتذة لديهم خبرات ومعارف متنوعة. وهذا كفيل بحماية كل من التعليم العالي الحكومي والخاص في مصر، وإتاحة الفرص لجميع الأساتذة والمدرسين في اختيار أماكن التدريس والمفاضلة، ومنع تسرب الأساتذة من الجامعات الحكومية المصرية للجامعات الخاصة لأسباب متعددة؛ اذ يتيح أيضا للأساتذة في الجامعات الخاصة أيضاً فرص التدريس في الجامعات الحكومية وإحداث التوازن المعرفي والعلمي.

    وهذا الاقتراح مطروح للنقاش والدراسة مع كل المعنيين والمهمومين بتحسين وتطوير التعليم العالي في مصر- الحكومي والخاص- وخاصة أن مصر تتجه نحو التعليم الجامعي الخاص والأهلي بشكل ملحوظ. وهو ما يتطلب إعادة التفكير في قضايا المجانية وتخفيض الرسوم والارتقاء بالمناهج وأساليب ووسائط التدريس.

    إعلان

    إعلان

    إعلان