• الوعي الصوفي والوعي النبوي

    د. أحمد عمر

    الوعي الصوفي والوعي النبوي

    د. أحمد عمر
    09:01 م الأحد 03 فبراير 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    الدين مقوّم أساسي من مقومات هذه الأمة، وبالتالي فإن أصحاب المشاريع الفكرية الإصلاحية التي تعادي الدين أو تهمّش قيمته الروحية ودوره في تشكيل الوعي الجمعي، وضبط منظومة القيم والأخلاق في المجتمع- هم قوم يحرثون في الماء ويزرعون في الرمال، وستكون جهودهم بلا طائل، ولن تجد دعواتهم إلا أصداءً ضعيفة لدى قلة غير فاعلة ولا مؤثرة.

    وأظن أن مثلهم في تعاملهم القاصر مع الدين وإمكاناته وإهدار دوره الإيجابي في عملية الارتقاء الروحي، والتقدم الحضاري، والضبط المجتمعي- "كمثل من لا يحسن فتح صندوق به كنز فيحرقه، ويضيع الثروة والجهود والزمان"، كما قال المفكر المغربي الراحل محمد عزيز الحبابي.

    ومع ذلك، فلا يخفى عن أحدٍ، اليوم، أن الدين قد تحول في حياة المسلمين المعاصرين من طاقة بناء وصنع حضارة، كما فعل أجدادهم، إلى ملجأ عزاء، وباب للهروب من العالم والعصر، وأحيانًا إلى معول هدم في جسد الدولة الوطنية.

    بالطبع أنا هنا لا أقصد الدين ذاته، ولكن الفكر الديني، وأشكال التدين المغلوط، وتأثيرهم على نظرة البشر للكون والحياة، والإنسان ودوره، وفاعليته وغايته.

    وهنا سوف أتحدث عن أحد أشكال التدين المغلوط، الذي كرّس للوعي الخلاصي الفردي، والتصوف السلبي، وابتعد بالإنسان عن الوعي النبوي الإيجابي، الساعي إلى إعمار الأرض، وإصلاح الكون، وتأسيس الحضارة، وتأكيد المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية للإنسان- خليفة الله على الأرض.

    وقد شرح الفيلسوف الباكستاني محمد إقبال في كتابه الشهير "تجديد التفكير الديني في الإسلام" أوجه الاختلاف بين الوعي الصوفي والوعي النبوي، من خلال عرض وتحليل مقولة للصوفي المسلم عبدالقدوس الجنجوهي في تعليقه على حادثة الإسراء والمعراج، حين قال: "صعد محمد النبي العربي إلى السموات العلا، ثم رجع إلى الأرض، قسمًا بربي إني لو بلغت هذا المقام ما عدت أبدًا".

    وبناء عليه، فإن الوعي الصوفي السلبي الذي جسّده هنا عبدالقدوس الجنجوهي، لا يريد العودة من مقام الشهود الذي يحقق له خلاصه الفردي، وحتى حين يرجع منه، فإن رجعته لا تعنى الشيء الكثير بالنسبة للبشر عامة، لأنه يظل منشغلاً بحاله وما وصل إليه، وشاهده، ويعيش بوعي قلق واغتراب عن عالمه الواقعي، وكأنه لا ينتمي إليه.

    أما النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- فكان يجب أن يعود، لحمل رسالة هداية البشر، وتحمل مسؤوليته الاجتماعية والإنسانية، ووضع مبادئ الخلاص العام للإنسان في كل زمان ومكان؛ وبالتالي فإن رجعة النبي محمد رجعة مبدعة؛ إذ يعود ليشق طريقه في موكب الزمان ابتغاء التحكم في ضبط قوى التاريخ وتوجيهها على نحو ما ينشئ به عالمًا جديدًا من المثل العليا.

    ومن ثم يتضح لنا أن الوعي الصوفي الشائع والمرفوض ينشد الخلاص الفردي، ويجعل الإنسان المتدين في انشغال تام بنفسه وحاله فقط. والوعي النبوي المنشود يؤكد على المسؤولية الاجتماعية والإنسانية، ويجعل الإنسان يسعى للإصلاح والتغيير، بما يؤصل للخلاص المجتمعي العام عن طريق حل المشكلات ومحاولة تغيير الوضع القائم باتجاه ما هو أكثر عدالة ومثالية.

    والوعي النبوي هنا أشبه ما يكون بوعي الفيلسوف الذي تحدث عنه أفلاطون في الكتاب السادس من محاورة الجمهورية، عندما أورد "تشبيه أو رمز الكهف"، الذي يدور حول الفيلسوف الذي خرج من كهف المعارف المشوهة والزائفة، وعرف الحقيقة، ولكنه قرر بعد الخروج ألا ينسى أولئك الذين مازالوا قابعين فيه، معتقدين أن ما يرونه من ظلال وأشباح هي موجودات حقيقية، وأن واجبه يُحتم عليه أن ينقل معارفه إلى الناس، ليبصرهم بحقيقة ما هم فيه، ولكي يساعدهم في الخروج من سجن الكهف لضوء النهار، وهو يعرف أن ما يقوم به ليس بالمهمة السهلة.

    مع ضرورة الوضع في الاعتبار أن الوعي الصوفي السلبي الذي ينشد الخلاص الفردي، قد تعددت أشكاله في حياتنا المعاصرة، وابتعد كثيراً عن أصله الديني، وأخذ شكلًا غرائزياً دنيوياً، يقربه من صور الخلاص الذي وفرته ديانات الأسرار القديمة من نشوة دائمة للداخلين في طقوسها؛ وهذا التطور يتناسب- ربما- مع جوهر أفكار مذهب ما بعد الحداثة الغربي، المسيطر على وعي العالم المعاصر الذي يريد لكل إنسان أن يعيش داخل ما يسمونه قصته أو سرديته الصغرى، وما تتضمنه من رؤية خاصة للإنسان والعالم تخدم منظومة السوق، بعد موت السرديات الكبرى الدينية والاجتماعية والتاريخية، التي كانت تؤكد على القيم والمرجعيات والمسؤولية الاجتماعية والإنسانية، وتؤمن بالإنسان كظاهرة متجاوزة لعالم الاستهلاك والمادة.

    والآن السؤال هو:

    هل من سبيل للخروج من الكهف الحديث الذي صرنا نعيش فيه، ونبحث عن الخلاص الفردي؟

    وما دور الدين والفكر والوعي النبوي الإيجابي في الوصول إليه؟

    هنا أجد أن البحث عن إجابة لهذين السؤالين هو واجب المتدينين وأهل الفكر المستنيرين، وهو تحدٍ وجوديٌّ سوف يؤدي فشلهم في مواجهته لتحويل ميراثهم ودورهم لمجرد أنتيكات قديمة في متحف البشرية المفتوح.

    إعلان

    إعلان

    إعلان