وحيث النسيان مقصد والإنسان خطى ..

د.هشام عطية عبدالمقصود

وحيث النسيان مقصد والإنسان خطى ..

د. هشام عطية عبد المقصود
09:01 م الجمعة 15 فبراير 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

هل جاء العالم على هذا النحو الذى يعرفه البشر وتوثقه تواريخ الأزمنة، ثم مضى في طريقه سنوات وقرون وألفيات متعددة، فقط ينمو تطورا ظاهريا وتقنيا وأساليب حياة لكنه يحافظ على كل دخائل وسلوكيات وطرائق التفكير والنوازع الجوهرية التي حملها الإنسان في جيناته ومنحها لتعاقب أجياله، منذ استطاع أن يستبدل أوراق الشجر يغطى بها جسمه حتى ارتداء الثياب وفق موضة الزمن وتناسق الألوان نمطا، وهل جميع ذلك المظهر يختفى أو يتوارى خلف ذلك القاسم المشترك الإنساني الأول متعدد الدرجات والظلال والحدة؟، ومهما تباينت بقعة الجغرافيا التي يسكنها ومهما تغير توقيت التاريخ الذي عاش فيه، صرت أعتقد في ذلك كثيرًا ويتأكد لدي كلما أتيحت لي قراءات في تاريخ الحوادث والبشر على امتداد مساحة الكون مكانًا وزمانًا.

ربما شكل تاريخ البحث عن الطعام "استمرار الحياة" أقدم وأهم حافز لتطور الإنسان ونمو علاقته بالكون، بل وربما كان هذا الحافز ذاته -في نمو وسائله وتحقيق تطلعاته التي نمت مظاهرها وتكلفة تدبيرها- مسؤولا عما تراكم من مدركات وسلوكيات فيما يحمله سفر الكون من تاريخ تدافع البشر أفرادا وقبائل ومجموعات ومجتمعات، وربما صنع أيضا بذرة الحزن الأولى التي ما فتئت تنمو على مهل.

حيث اقتضى ذلك السعي الأول للبشرية نحو بقاء وتوفير مقدرات الحياة سلوكيات كثيرة بعضها يحمل طابع الاعتداء ويتضمن بعض نوازع أذى للكائنات بل والتحايل والمراوغة، تفردا وحيازة لكم أكبر من غنائم "الطعام" ثم مشهياته وملحقاته وما يرتبط به من تطورات استهلاكية عبر الزمن، وحيث تغذى الإنسان في البدء وبكل أريحية على كل ما استطاع أن يجعله طعاما له من الكائنات الحيوانية، وتفرد بتطوير ملكات العقل بنمو مستطرد عن سائر المخلوقات، وهو يعرف يقينا أن محض قوته البدنية ليست عامل انتصار بل قدرته على التكيف وتطوير أدوات ومصداتٍ البقاء وعدم الاندثار، وبالعقل تراكمت الخبرات وتراكمت معها أيضا مشاهدات الزوال والفناء والضعف.

ربما هنا تحديدا نشأ الحزن ملازما للسعي في الحياة بحثا عن طعام ومأوى وأمن واستمرار، وحيث واجه الإنسان مخاوفه أو ربما صنعها دون أن يدري بتصورات عن تأمين حيازاتٍ تقيه شر ما لا يعلم، لينقطع فكريا عن تجربة السعي اليومي "من حاز قوت يومه"، ودفعته مخاوفه في أن يصنع حيازة في مخزون يمنح الطمأنينة وتأمين احتياجات لمدى أبعد، والذي سرعان ما تعصف به أشياء عابرة لم يجربها ولم يختبرها ولم يختزنها عقل الإنسان الأول في نموه، ثم واجهها فأيقن في نسبية كل وسائله فعرف الخوف أيضا وهجوم العاديات وصار الحزن كبيرا.

ولعل قصص البشرية في فصلها الأول مما تتضمنه قصة ابني آدم قابيل وهابيل، حين تملكت نوازع الحيازة والرغبة متضافرتين في قيام قابيل بقتل أخيه هابيل فاختبر الألم والندم معا وهو يحمل جثة أخيه باكيا من حزن مستطير ويبحث عن موضع يوارى فيه سوءة أخيه.
ومضت حياة البشر تغالب يقين المؤقت والزائل بمصارعات البقاء لتصنع أملا ورغبة وتطلعات، والتي صارت تتطور ليس فقط اتكاءً على غريزة البقاء بحثا عن طعام ومأوى بل والحيازة، حيازة الأشياء التي يظنها باقية والتي اتسعت رويدا لتضم كل شيء بما فيهم البشر ذاتهم، وهو مرتكز تحول وقسوة تاريخية لم يتوقف عندها المؤرخون كثيرا باعتبارها فارقة في مسيرة البشرية، فلم نعرف بتوسع وتفسير كيف نشأت البذور الأولى للعبودية في التاريخ الاجتماعي البشرى فكرًا وممارسة، هو تدافع جم ربما هو جوهر البقاء أو قانون استمرار المعايش، وحيث الحياة كبد.
ولهذا لا تستهويني كثيرا قصص الزهد المبالغ فيها في سير وبروفايلات الشخصيات في تاريخ الكون عبر الأزمنة والقارات، تلك الشخصيات التي تعمد بعض الكتابات أن تقدمهم بأفق واحد كمثالٍ غير بشري ولا أرضي، ربما يصلح هذا نسبيا في مراحل التعليم الأولى في كل المجتمعات الإنسانية، لبناء منظومة قيم مثالية يمكن أن يدركها الناشئون كمثال يحتذى، وما أكثر تباينها عن نوازع البشر في الحياة، وأيضا ما أكثر كونها استثناء يؤكد الأساس الذي يتم القفز عليه.
بين أمل ورجاء وحزن أيضا تمضي رحلة الإنسان في الكون، يسير سعيًا يراكم خبرات ومدركات ويتصنع السهو والنسيان فيقتطع مساحات هدأة وطمأنينة متظاهرًا "إنه يعيش أبدا"، يجمع المعرفة من أطرافها ويقطع الكون تحققا، ثم إذا به فجأة "لا يعلم من بعدٍ علمٍ شيئًا".

إعلان

إعلان

إعلان