محفوظ ومراد والمثقف الرمز بين التأليه والهدم

طارق أبوالعينين

محفوظ ومراد والمثقف الرمز بين التأليه والهدم

طارق أبو العينين
09:00 م الأحد 10 نوفمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

حالة من الجدل والغضب فجرها تصريح منسوب للروائي المصري الشاب أحمد مراد اتهم فيه أدب الراحل الكبير نجيب محفوظ بأنه بطيء الرتم ولا يناسب العصر، وبرغم نفي مراد لهذا التصريح فإن هذا الجدل والغضب قد تجاوز جماعة المثقفين لينتقل إلى غيرها من جماعات وأطياف المجتمع المصري التي تعتقد عن حق طبعًا أن نجيب محفوظ قامة أدبية سامقة لا يجوز انتقادها بهذا الشكل المتعسف من قبل أدباء الجيل الجديد الذين صنعتهم الميديا على عكس نموذج نجيب محفوظ الذي اتكأ على دأبه وموهبته فقط لبلوغ مكانته مصريًا وعربيًا وعالميًا...

وهذا الجدل بشأن تصريح أحمد مراد الأخير يفتح في اعتقادي باب التساؤل بشأن الكيفية التي ينبغي للمجتمع ونخبته التعامل بها مع رموزه الثقافية والتي سوف تنعكس بكل تأكيد على بناء خطابنا الثقافي والحضاري...

فالحضارة الغربية على سبيل المثال سرى داخلها اعتقاد بأن الانتقاد الراديكالي لرموزها هو أحد السبل الرئيسية لبقائها على قيد الحياة وهو ما عبر عنه الفيلسوف البريطاني الشهير كارل بوبر في كتابه المثير للجدل "المجتمع المفتوح وأعداؤه"، والذي برر في مقدمته نقده القاسي لكبار قادة الفكر الإنساني وعلى رأسهم هيجل وأفلاطون بأن دافعه في ذلك ليس التقليل من شأنهم بل هو يقينه بأن حضارة الغرب إذا ما أُريد لها أن تبقي وتستمر فيجب أن تُقلع عن عادة الدفاع الأعمى عن هؤلاء الرجال العظام؛ لأنهم ليسوا معصومين من الخطأ إلا أن الفارق بيننا وبين الغرب فيما يتعلق بفكرة نقد الرموز وحق الأجيال الجديدة في التعبير عن ذاتها وتجديد خطابنا الثقافي والحضاري هو نفسه الفارق بين فيلسوف متمكن واسع الاطلاع، غزير العلم مثل كارل بوبر وبين روائي محدود الموهبة والقدرات مثل: أحمد مراد وهو نفسه الفارق أيضًا بين التصور النقدي للجماعات المثقفة في الغرب تجاه منجزات رموزها ومفكريها الكلاسيكيين وبين جماعتنا المثقفة في مصر التي بنت خطابنا الثقافي والحضاري على فكرة تأليه رموزنا الثقافية...

ولأن الحكمة اليونانية القديمة تقول بأن الفضيلة هي وسط حسابي بين رذيلتين متناقضتين فإن الهجوم الأعمى على رموزنا الثقافية جريمة في حق خطابنا الثقافي والحضاري لا تدانيها إلا جريمة تأليه تلك الرموز واعتبارها فوق ثنائية الخطأ والصواب؛ لأن العلاقة بين كلتا الرذيلتين هي علاقة عليَة داخل حلقة مفرغة وخبيثة ساهمت في تدهور وتردى خطابنا الثقافي والحضاري...

فالاعتقاد بأن الرمز الثقافي هو كائن أعلى فوق النقد والمساءلة يجرده مثقفًا أولاً من شرط أساسي لازم لوجوده وبقائه وتأثيره ألا وهو وضعه في إطار ظروفه الخاصة وتناقضاته التي لا تحرمه من أهليته مثقفًا بقدر ما تقدمه كائنًا إنسانيًا معرضًا للخطأ وليس واعظًا أخلاقيًا كئيبًا، بحسب ما قال المفكر الفلسطيني/الأمريكي المعروف إدوارد سعيد في كتابه "صور المثقف"، كما أن هذا الاعتقاد يُجرد مناخنا الثقافي والحضاري، ثانيًا من قيمة أساسية لازمة وضرورية شرطًا للإبداع، وهى قيمة الحرية وما يتبعها من تعدد للأصوات والأفكار داخل الجماعة الثقافية، فنمط المثقف الأوحد الذى ساد وتفشى في خطابنا الثقافي المصري والعربي كان سببًا في أن يتحول خطابنا الثقافي والحضاري إلى خطاب معادٍ لقيمة الحرية والتعددية داخل الجماعة المثقفة؛ لأنه ببساطة ينفي أي حجية أو منطقية عن أي رأى يخالف أو يشكك في قناعة ذلك المرجع الأوحد سواء كان أديبًا أو مفكرًا أو فنانًا...

وهو ما تنبني عليه الشرعية الأخلاقية والحضارية للرذيلة الثانية ألا وهى التهجم الأعمى والهدام على رموز الثقافة والفكر باعتباره ردة فعل على ذلك التأليه الأبوي للرموز؛ فتلك العلاقة الأسطورية بين تأليه الآباء لرمز وهدم الأبناء له تحدث عنها عالم النفس والمفكر النمساوي الشهير سيجموند فرويد في كتابه "الطوطم والحرام" باعتبارها إحدى الأساطير المؤسسة للبناء الحضاري والأخلاقي الإنساني، وهى أسطورة تقوم على مفهوم الوليمة الطوطمية، فتلك الأسطورة تقول إن هناك جماعة بدائية في عصر الغاب يحكمها أب قوى يستأثر بكل نساء القبيلة ويفرض بالتبعية نظامًا صارمًا من التحريم الجنسي، على أبنائه وأفراد عشيرته، وتحت تأثير هذا الكبت والقمع يثور الأبناء على الأب فيقتلوه ويلتهموه ويدخلون في صراع فوضوي مميت بينهم على تركته من نساء القبيلة ليندم بعدها الأبناء؛ نظرًا لفشلهم أولاً في استعادة البناء المتماسك للقبيلة في ظل سلطة الأب المقتول، ولإحساسهم ثانياً بالذنب تجاه أبيهم المقتول، بفعل ما كانوا يكنون له من هيبة وحب وتقدير، وتحت وطأة هذا الإحساس بالذنب يقيم الأبناء طقوسًا طوطمية تكريمًا للأب المقتول وتكفيرًا عن هذا الإثم العظيم، ومن ثم يعيدون تأسيس نظام التحريم؛ ليحظروا بموجبه ما كان يحظره ويحرمه الأب عليهم قبل قتلهم له...

وهو ما يعني ببساطة أن هدم أي رمز ثقافي أو خطاب حضاري تأسس بموجب هذا المنطق الأبوي وما ترتب عليه من تأليه لرموزنا الثقافية بوصفها محرمات غير قابلة للنقد دون وجود إمكانية فعلية لتأسيس خطاب بديل ورموز جديدة حقيقية تُعمده وتعبر عنه هو بمثابة إرهاصة تقودنا إلى ردة جديدة إلى سلطة الآباء المؤسسين لخطابنا الثقافي والحضاري الذين سيحتكرون الحقيقة وحق الوجود والتعبير من جديد ويحرمون منه أجيالاً قادمة من المثقفين لتدور بذلك تلك الحلقة الخبيثة التي أنتجت خطابنا الثقافي والحضاري؛ لعقود والتي لن تنكسر إلا بتنازل الآباء طوعًا عن جزء من سلطاتهم مع قدرة الأبناء على تحمل مسؤوليتهم...

إعلان

إعلان