ظلال الوقت .. "قصة قصيرة"

د. هشام عطية عبد المقصود

ظلال الوقت .. "قصة قصيرة"

د. هشام عطية عبد المقصود
09:01 م الجمعة 11 أكتوبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

وصلته الجملة كأنها تباغته، أحس بوقعها ثقيلا، رغم أنه لم تكن هي المرة الأولى التي يستمع فيها لذلك، ربما تكرر الحديث مرات، تم الأمر بذات الكلمات المقتضبة، كأنه يتم عمدا تأكيدها عبورا مختطفا في حديث مع زملاء يلتقيهم، يحضر الصمت عاليا، ثم لا يتم التفصيل، الجميع يجعل الأمر يمر مجرد خاطرة لا يجب أن يتم إيقافها أو الانتظار علي عتبات حروفها، كأن ذلك يتم باتفاق ضمني بين المتحدث والسامعين، ربما لم يُرد أحد أن يستوقف ما حدث، وهكذا ومع الوقت تتكرر، تترسخ، لتصير حقيقة، ذكري متبوعة بألم، لكن هذه المرة تحديدا لم يعرف لماذا خرج منه السؤال.

- إزاي؟

كان بيعدي الشارع.

لا شيء متبقٍ غير صورة وحيدة يبتسم فيها، ينعش البعض الذاكرة بتفاصيل رحلة جامعية، كان فيها الوحيد الذي لا يلعب الكرة مع أصدقائه أمام موضع السكن، لا يجيدها، لكنه أيضا لا يشارك كبقية من لا يجيدون اللعبة، وفقط يستجيب بعد إلحاح مطول بأن يقف حارس مرمي لاستكمال عدد لاعبي الفريق.

في مثل تلك الأمسيات الرطبة الحارة تهل ذكريات بعيدة، تتسلل علي مهل وتشكل تواجدها المؤرق، يرد علي الهاتف، ويطيل الحوار، ويحدد موعدا ويذهب إلي هناك، مقهى يتشكل امتداده الخارجي عبر ثلاث مناضد جميعها خالية، حيث تبدو كثافة الناس في الداخل هروبا من الحر واحتماء بمكيف الهواء، اختار منضدة خارجية إلى جوار الحائط الجانبي وجلس.

يطلب قهوة ويتأمل الشجر الساكن في مواجهة المكان، رطوبة ما زالت جاثمة رغم دخول الليل، تُثبت أفرع وأوراق الشجر فتحولها إلى هيئة رسم جامد على حائط.

عربات قليلة تعبر الطريق في هذا المكان الذي تم افتتاحه أخيرا ويتخذ موضعه أسفل عمارة جديدة في الحي البعيد نسبيا عن الزحام.

أخرج الموبايل ونظر، ظهر عدد الرسائل التي لم يطالعها بعد وقد بلغ رقما كبيرا 386، وفقط في أقل من يوم، كان زملاء قدامى قد دعوه إلى مجموعة على الواتس آب يتبادلون فيها الذكريات والحكايات.

يكتفي بالنظر السريع كلما أتيح الوقت، يتابع مصادفة مقولة ما أو ذكرى أو صورة لبعض الزملاء، لكن كثيرين منهم صار لا يعرف صلة اسمه القديم بصورته الحديثة، يعلل ذلك بطول الزمان وبأنه ربما كان بعضهم زملاء لم تتوثق صلته بهم، لكن فيما يخص من يعرفهم جيدا يلاحظ أنه قد تغيرت ملامحهم كثيرا، يسأل نفسه هل يولد الإنسان جينيا بكل سماته فيبقي جوهرها كامنا ليظهر في طريقة تصرف وسلوك وحتى مفردات كلامه وفقط تعمل الجينات تأثيرها في ملامح الشكل؟ لم يعرف إجابة لكنه قدر صحة ذلك.

وقف وحرك الكرسي المجاور قليلا مرحبا وبادل التحية بالابتسام، وأخذ يتحدث عن الرطوبة وشكل الشجر والأضواء التي تظهر من نوافذ مفتوحة تبدو صغيرة في المباني المقابلة، وكيف أن كل نافذة حكاية عن العالم، قطع حديثه مجيء عامل المقهى وهو يضع القهوة والماء ومكعبين من الحلوى علي طبق صغير.

دار حديث جديد آخر عن سلوك الناس في الشارع وعن برنامج منوعات وعن رحلة ينتوي القيام بها، ثم استمع بجدية لرأي قاطع بشأن عدم تميز ألبوم جديد لمطرب معروف، أعادا النظر نحو رسائل تتوالى، استوقف إحدى الصور الجماعية وقال: ما كنتش أعرف إنها رحلت.

- مين؟

أشار نحو وجه يبدو نحيفا ضمن صورة قديمة.

- إزاي؟

ما عرفش.

- معلش

جلست على المنضدة المجاورة امرأة ومعها طفلها الصغير والذي أخذ يتحرك في المكان ويقترب منه، داعب الطفل بحركة من وجهه فابتسم الطفل له.

تحدثا كثيرا وهو ينظر أمامه، لاحظ أنه ما زال الشجر المقابل للمكان ساكنا، حين غادرا مضى على مهل نحو الشجرة القريبة وأخذ يهز فروعها.

إعلان

إعلان