هوامش على دفتر نصر أكتوبر

د. عمار علي حسن

هوامش على دفتر نصر أكتوبر

د. عمار علي حسن
09:00 م الخميس 10 أكتوبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع


(1)

يبقى الدرس الأكبر لحرب أكتوبر المجيدة هو تأكيد المعنى والقيمة التاريخية التي تقول إن المصريين إن ضاع جزء من أرض بلدهم العريق، اغتصابا وجورا أو تفريطا أو غفلة، فإنهم سيقتطعون من أقواتهم وأوقاتهم، حتى يستردوه دون نقصان، مهما طال بهم الزمن، وتوالت التضحيات. مصر كلها، بحرب أو سلام.

(2)

السلاح الأول لمصر في حرب أكتوبر كان الأفكار الإبداعية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، اقتراح "الصول" إدريس أن تكون الشفرة بين الوحدات المقاتلة باللغة النوبية التي لا يعرفها الإسرائيليون وقتها، واقتراح المهندس المصري العبقري باقي زكي باستخدام خراطيم المياه لتحطيم خط بارليف المنيع.

(3)

قبل 27 عاما حضرت احتفالا في دار الأوبرا بنصر أكتوبر. جاءت جلستي في مواجهة الفريق الجمسي رئيس هيئة العمليات أثناء الحرب. وبينما كانت تُعرض مشاهد للمعركة على شاشة عملاقة كانت عيني على الجمسي، فوجدته يرسل بصره سريعا إليها ثم يرده. فلما جاء مشهد غرفة العمليات مع السادات والشاذلي بكى بحرقة.

(4)

كان يحلو لي وأنا صغير أن أسأل الفلاح الأجير متوكل عبدالحميد عن ساقيه المملوءتين بشظى الرصاص في الحرب. يتوه قليلا، ويستعيد حكايات ظلت طازجة في رأسه كأنها حدثت اليوم عن البسطاء الذين عبروا وانتصروا. بعد الحرب خاض منسيًا معارك رهيبة عزلاء في سبيل القوت والأمل وعصاه التي يتوكأ عليها.

(5)

لا أنسي أن النابهين ممن كانوا يؤلفون منهج القراءة والنصوص للمرحلة الابتدائية في زماننا تناولوا نصر أكتوبر بتمجيد الجندي. أتذكر نشيدا كانت بدايته:

"لي أخ مجند.. اسمه محمد

قام في الصباح.. يحمل السلاح

قال إني ذاهب.. يا أخي أجاهد"

بعد سنوات وجدنا البطولة تنسب لسلاح واحد؛ لأنه يخص رجلا واحدا هو الرئيس؛ أكتوبر نصر الجيش كله والمقاومة الشعبية.

(6)

سألني: هل أنت مطمئن على مصر؟

أجبته بلا تردد: نعم، فمن يقرأ تاريخها يستقر هذا في يقينه لسببين، الأول أن شعب مصر كلما شعر أن بلده في حاجة إليه نهض لنجدتها وضحى في سبيلها. الثاني أن مصر كانت قادرة على الخروج من الإحجام إلى الإقدام ومن الشدة إلى الفرج في زمن قياسي، وبشكل مذهل.

(7)

أحدهم هنأ عبود الزمر في ذكري نصر أكتوبر. عبود والذين معه من قتلة السادات ما كانوا سوى أدوات بائسة أو دمى هشة، هناك من حركها لترتكب هذه الجريمة الغادرة الخسيسة ضد رجل في يوم نصر كان على رأسه. العجيب أن السادات، الذي ارتكب 3 أخطاء ما زلنا ندفع ثمنها، هو من صالح أتباع هذا التيار فقتلوه وها هم يهنئون قتلته في يوم النصر.

(8)

أرجو ألا يكون صناع "الممر" لديهم هذه الحساسية المفرطة حيال من ينتقدونه، فهذا فيلم سينمائي وليس هو "الوطن" أو رمز لـ"الدولة المصرية" وبذا يكون من لم يرق له بالضرورة مغبونا من بلده. أعرف أن هناك دعايات سوداء مضادة للفيلم لغرض ومرض سياسي لكن يجب التفرقة بين هذه وبين ناقديه لأسباب فنية.

والذين يطلبون منا ألا نلتفت إلى الجوانب الفنية في الفيلم أحسبهم مخطئين. فالأفلام العالمية عن الحروب كان الفن فيها حاضرا بقوة وإتقان، وهذا سر انتشارها واستمرارها. ولو كان الأمر كما تقولين لاكتفينا ببعض الخطب والتعليقات الحماسية على لقطات حية من المعركة. الدعاية المباشرة تضرب الفن في مقتل. هذا ما انتهى إليه النقد في العالم أجمع.

في النهاية فإن الفن المصطنع الذي لا يخرج طواعية من الوجدان العامر، والذهن المنفتح، ولا يبدعه أحرار، تأثيره عابر، وعمره قصير فالآداب والفنون التي طوعها الاتحاد السوفيتي لخدمة أيديولوجيته فحولها إلى منشور سياسي، ودعاية فجة، ووعظ أخرق، لم يبق منها شيء، بينما بقيت آداب ما قبل الثورة البلشفية حية.

(9)

يجب أن يتسع تعريف الأغنية الوطنية ليشمل كل الأغاني التي تعزز القيم الإيجابية داخل المجتمع، وتربط الإنسان أكثر بمجتمعه وتاريخه وحضاراته، والذكريات العظيمة التي عاشها في بلاده. ونجاح مثل هذه الأغنية مرتبط بخروجها من وجدان كاتبها، والبعد عن الطريقة المباشرة في التعبير لضمان استمراريتها. والأغنية عندما تكون عفوية وغير مرتبطة بمناسبات تعيش طويلًا، خاصة لو كتبت بدون تكلف.

إعلان

إعلان