• تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة

    تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة

    د. أحمد عمر
    09:00 م الأحد 09 سبتمبر 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    التشاؤم أو الاكتئاب اليوناني مصطلح يعرفه جيدًا دارسو الفلسفة والحضارة اليونانيتين القديمتين؛ فقد كان هناك ميل دائم بين اليونانيين القدماء إلى انتقاد الحياة ورفض منطقها غير العادل، والتسليم بتعاسة الإنسان وهشاشة وجوده، وظلم الآلهة والأقدار له؛ ولهذا تحفل "الإلياذة" و"الأوديسة"- وهما الملحمتان العظيمتان اللتان كتبهما شاعر اليونان العظيم هوميروس، وصارتا من بعده إنجيلًا لليونانيين- بالكثير من النصوص والتعبيرات التي تشير إلى تعاسة الإنسان، وأن حياته ووجوده ألعوبة في يد الآلهة التي تريد أن تفرض سلطانها عليه وتصنع قدره، في حين يريد الإنسان التحرر من سيطرة الآلهة، ليصنع قدره بنفسه، ومسار حياته الخاص، رغم إدراكه صعوبة نجاحه في تحقيق تلك الغاية.

    كما نجد أصداءً واضحة لهذا التشاؤم اليوناني في الشعر التراجيدي اليوناني القديم، الذي أبدعته الروح اليونانية في القرنين السادس والخامس، قبل الميلاد، والذي يحفل بصرخات اليأس من عجز الإنسان إزاء هشاشة وجوده، وظلم الأقدار له، والشقاء الذي يطغى على حياته القصيرة التي هي أشبه ما تكون بظل حلم عابر.

    يقول هوميروس في الإلياذة: "ليس هناك بين المخلوقات التي تتنفس على الأرض أو تزحف عليها، ما هو أكثر تعاسة من الإنسان". وهو نفس المعنى الذي يتكرر في "الأوديسة" حيث يقول هوميروس على لسان بطلها أوديسيوس: "لا شيء تُغذيه الأرض أضعف من الإنسان دون سائر المخلوقات التي تتنفس، وتتحرك فوق الأرض، لأنه يعتقد أنه لن يعاني الشر قط في أيامه القادمة، طالما تهبه الآلهة الرخاء وركبتاه سريعتان؛ حتى إذا ما عادت الآلهة، وكتبوا له الحزن، احتمله بامتعاض بالغ وهو راسخ القلب".

    ولعل أكبر مفارقات الروح اليونانية أن تلك الأفكار التشاؤمية والرؤية المأساوية للحياة لم تدفع الإنسان اليوناني القديم للقعود واليأس القاتل أو الانتحار وترك الاستمتاع بالحياة، وترك العمل وبذل الجهد، بل صنعت ما أطلق عليه الباحث القدير في تاريخ الأساطير والدين مرسيا إلياد، وصف "المثل الأعلى اليوناني للحياة المنبثق من اليأس"، والذي عبر عنه أيضًا هوميروس في "الإلياذة" بقوله: "عش بالكامل في الحاضر، ولكن بشرف".

    وأظن أن هذا المثل الأعلى الإنساني المُؤسس على اليأس النظري، والذي يجعل شرف الحياة يكمن في العمل المستمر لتحقيق الأفضل، وقبول تحدي الوجود، رغم قصر الحياة، وهشاشة الإنسان، وظلم الآلهة، ومفارقات الأقدار، هو ما صنع في زمن قياسي معجزة الحضارة اليونانية القديمة التي لا تزال الإنسانية إلى اليوم تعيش على الكثير من إبداعاتها وأفكارها ومنجزاتها.

    وهو كذلك المعيار التاريخي العملي الذي يُثبت صدق مقولة الفيلسوف الإيطالي "أنطونيو جرامشي"، التي أطلقها في ثلاثينيات القرن الماضي، وهي: "إن الفلسفة هي تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة".

    وهي المقولة التي تعني أن العمل المستمر هو أفضل وسيلة لخلق وتطوير استراتيجيات الأمل والتغيير نحو الأفضل ونيل شرف الوجود، والسعي للاستمتاع بالعيش، مهما كان حجم المبرارات النظرية العقلية التي تدفع الإنسان لليأس والاحباط وفقدان الأمل؛ لأن دوام الحال من المُحال.

    إعلان

    إعلان

    إعلان