• كرة القدم كراية وطنية .. الجوانب الثقافية والسياسية للساحرة المستديرة ( 4 ـ 6)

    د. عمار علي حسن

    كرة القدم كراية وطنية .. الجوانب الثقافية والسياسية للساحرة المستديرة ( 4 ـ 6)

    د. عمار علي حسن
    07:00 م الأربعاء 12 سبتمبر 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    لا يعني التناقض في السمات والخصائص والآليات بين كرة القدم والسياسة أن بينهما افتراقا تاما، في الواقع وفي التصورات الافتراضية، في الحقيقة وفي المجازات. فالذين يستعيرون الكرة في عالم السياسة، ويستعيرون السياسة في عالم الكرة، لن يكفوا عن فعل هذا، لا سيما في ظل وجود عوامل تزيد من تعميق تواجد كرة القدم كظاهرة اجتماعية سياسية، ربما أولها هو التعويل عليها في تخفيف حدة الخلاف بين الشعوب عبر ما تسمى بـ"دبلوماسية الرياضة"، وكذلك في حوار الحضارات وتعزيز التعارف بين البشر، وبناء نمط جديد من العلاقات الدولية، والمساهمة في إيجاد مجال بديل للتنافس الدولي بعيدا عن التناحر والاقتتال والحروب، كما أنها صارت قوة ناعمة للدول، فدولة مثل البرازيل حظيت ولا تزال باحترام شديد في العالم كله لبراعة منتخبها الوطني.

    بل إن كرة القدم يمكن أن تفلح في صناعة صورة لا يتمكن من تشكيلها آلاف الخطب والكتب والوعظ المباشر. ففي وقت تُرسم فيه صورة سلبية للمسلمين في أوروبا نظرا لما ترتكبه الجماعات والتنظيمات الإرهابية من أعمال عنف دموي، لا سيما بعد استهدافها المنظم والمتواصل لمدن أوروبية، نجد أن براعة لاعب واحد هو المصري محمد صلاح في صفوف فريق ليفربول الإنجليزي تجعل جمهور الفريق ينشد في تبتل:

    "إن كان جيدا كفاية بالنسبة لكم

    فهو كذلك بالنسبة لي

    إن سجل بعض أهداف أخرى

    سأصبح مسلما أنا أيضا

    إن كان جيدا كفاية بالنسبة لكم

    فهو كذلك بالنسبة لي

    جالسا في مسجد

    هناك حيث أريد أن أكون".

    ثم نجد شبلا إنجليزيا، لا يدين بالإسلام، ينجح في إحدى التدريبات بتسديدة ناجحة لضربة جزاء، يجري فوق البساط الأخضر، ثم يسجد لله شكرا، تماما كما يفعل صلاح، بعد إحرازه الأهداف.

    ورغم أن الاتحاد الدولي "فيفا" يحظر تدخل السياسة في أمور الكرة، فهناك من يرون في هذه العلاقة أمراً طبيعياً بل بديهياً، لأن الكرة هي الرياضة الجماعية الأكثر شعبية التي تتنافس فيها فرق وطنية يلعب كل منها باسم دولته. وتبدأ المباراة بعزف الموسيقى الوطنية لدولتي الفريقين المتنافسين اللذين يرفع كل منهما العلم الوطني، كما أن هذا العلم يرفرف عادة في مدرجات المشاهدين، وبذا تبقى العلاقة ثابتة وفوق هذا الاجتهاد الذي يرى أصحابه أنه ما من ظاهرتين يتقاطع فيهما الانتماء إلى الوطن والمصلحة الوطنية، مثل كرة القدم والسياسة.

    والحضور السياسي في مباراة كرة قدم ليس جديدا، بل صار سمة ظاهرة، فعلى سبيل المثال تتبع د. ياسر ثابت، في كتابه "حروب كرة القدم"، تاريخ العلاقة بين السياسة وكرة القدم في مصر، بدءا بدور الاحتلال البريطاني، ومولد الأندية الشهيرة، وصعود أهل الحكم والقصر إلى المواقع والمناصب الكروية. وعلى مستوى أوسع التقط الظاهرة نفسها كتاب بعنوان الجوانب الجيوسياسية في كرة القدم، Geopolitique du Football, Bruxelle والذي صدر عن أحد المراكز الاستراتيجية الفرنسية، وشارك في إعداده نخبة من الباحثين، وحرره باسكال بونيفيسن حيث تم التعامل مع هذه اللعبة على أنها متابعة الحرب بوسائل أخرى ـ وهذا هو الوصف الذي كان المنظر الاستراتيجي كلاوزفتش قد أطلقه على السياسة ـ.

    فقد صارت كرة القدم التي تستعير من الاقتصاد لغته حين تتحدث عن احتكار الكرة، وربح النقاط وخسارتها والرهان والعلامة الكاملة والحسابات المفتوحة، الظاهرة الأكثر كونية في عصر العولمة، وهى تبدو أشمل من اقتصاد السوق وعملية الدمقرطة، وباتت إحدى الأدوات القوية في الدبلوماسية الدولية، حيث يمكن، في رأي هؤلاء، أن تسهم في توحيد شطري كوريا أو دفع عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما يمكن لها أن تكون إحدى وسائل تحقيق الوحدة الوطنية في البلاد متعددة الأعراق واللغات والديانات، حين تتضافر مختلف الجماعات حول المنتخب الوطني، الذي يعد رمزا تعلق عليه الأمة بعض آمالها، خاصة إذا كان يضم تحت لوائه لاعبين ينتمون إلى هذه الجماعات.

    ويحفل الخطاب الرياضي بالاستعارة المستمدة من الحرب، لا سيما حين يسعى المعلق الرياضي إلى إضفاء حيوية ومتعة على المباراة، فينتج العديد من الاستعارات، سواء كان واعيا أم غير واع، بغية إمتاع المتلقي وشد انتباهه. وربما لهذا، ولأسباب أخرى تتعلق بجوهر اللعبة نفسها، قال إيكو: "كرة القدم طريقة لعمل الحرب بوسائل أقل دموية مما تعودناه"، وهي مسألة يعززها الأديب الأورجوياني إدوردو جوليانو أيضا بقوله:

    "في كرة القدم، وهى طقس حربي مهذب، يكون ١١ رجلاً يلبسون سراويل قصيرة هم سيف المنطقة، المدينة أو الأمة. يخلّص هؤلاء المحاربون غير المسلحين ومن دون دروع، الجمهور من شياطينه ويعيدون تثبيت إيمانه: في كل مواجهة بين طرفين، تدخل العداوات القديمة والشغف القديم الذي ينتقل من الآباء للأبناء، تدخل في المعركة. تنقلب كرة القدم، وهي استعارة للحرب، إلى حرب حقيقية أحياناً. ولا يعود الموت الفجائي اسماً لطريقة مأساوية في تحديد نتيجة مباراة تعادل. هذه الأيام، أصبح التطرف في التشجيع في كرة القدم يحتل مكاناً كانت تحتله في السابق الحماسة الدينية، والغيرة الوطنية والشغف السياسي. وكما يحصل أحياناً مع الدين والوطنية والسياسة، تجعل كرة القدم التوتر يحتدم وتُرتكب العديد من الفظاعات باسمها".

    وهذا "النسق العسكري" للاستعارة، توزع على أربعة ألوان من الاستعارة، الأول متعلق بالفضاء واتجاهاتِه (المعسكر- الميدان- المعترك- الجبهة الأمامية- الوسط- الخلف) والثاني يتمثل في استعارة الوسيلة (النهج التكتيكي- الدفاع- الهجوم- الحملة المضادة والمنظمة والسريعة) والثالث هو استعارة المنفذ والضحية (الكتيبة- جندي الخفاء- رأس حربة- الخصم) ثم استعارة النتيجة (الانتصار- الفوز- الظفر باللقب)، مثلما أحصى هشام فتح في دراسة بعنوان: "عنف الاستعارة الصحفية: التعليق الرياضي المغربي نموذجا".

    وهذه الخاصية الجيوسياسية لكرة القدم ليست جديدة فها هو جوليانو يقول:

    "عند سور مستشفى للمجانين، في ميدان مقفر في بيونس أيرس، كان بعض الفتيان الشقر يتقاذفون كرة بأقدامهم.

    سأل طفل:

    ـ من هؤلاء؟

    أخبره أبوه:

    ـ إنهم مجانين، إنجليز مجانين.

    الصحفي خوان خوسيه دي سويثا ريبللي. يتذكر هذه الحادثة من طفولته. ففي الأزمنة الأولى كانت كرة القدم لعبة مجانين في منطقة ريو دي لابلاتا (الأرجنتين وأورجواي). ولكن في أوج التوسع الإمبراطوري صارت كرة القدم سلعة بريطانية للتصدير لا تقل شهرة عن أقمشة مانشستر أو القطارات أو قروض مصرف باريتجز أو مذهب حرية التجارة".

    لكن حديث هذا الرجل عن الجنون لا يخلو من معنى، وإن كان هو لم يقصد الأمر على النحو الذي رأيناه في الأزمة السياسية التي اندلعت بين مصر والجزائر عام 2009 إثر شحن إعلامي كبير سبق وصاحب وأعقب مباراة فاصلة بين منتخبي البلدين في تصفيات كأس العالم 2010، أو التطور الأكثر ضراوة، حين كانت كرة القدم الشرارة التي أدت إلى انفجار الاحتقان بين السلفادور وهندوراس فوقعت حرب بين البلدين قُتل فيها أكثر من 4000 قتيل، معظمهم مدنيون، ومعهم 10 آلاف مشوّه و120 ألف مشرد، ودُمرت مئات البيوت والمنشآت. فقبل المباراة حظرت حكومة هندوراس على السلفادوريين تملك أراضٍ بها، وطردت بعضهم وهم من الإقطاعيين الذين عاشوا فيها أجيالا، وقطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتبادلت وسائل الإعلام سجالا شحن النفوس بالغل، وحين فرضت تصفيات بطولة كأس العالم لعام 1970 على البلدين خوض مباراة فاصلة في المكسيك لتحديد الفريق الذي سوف يتأهل إلى المباراة النهائية، بعد أن تبادلا الفوز على أرضيهما. وانتهت هذه المباراة بفوز السلفادور 3/2 في الوقت الإضافي، فنزل الهندوريين إلى الشارع وهاجموا فقراء السلفادوريين المقيمين عندهم، لتتطور الأمور إلى حرب شاملة، استمرت أربعة أيام.

    )ونكمل الأسبوع المقبل إن شاء الله تعالى(

    إعلان

    إعلان

    إعلان