قوة العلم التي يجب أن نلتفت إليها

د. عمار علي حسن

قوة العلم التي يجب أن نلتفت إليها

د. عمار علي حسن
11:01 م الأربعاء 01 أغسطس 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

"العلم سلاح جبار"، هكذا يتم تشبيه العلم بالسلاح، وكأن الأخير هو الأصل الذي يجب القياس عليه، أو القاعدة التي ينبني فوقها كل شيء حتى لو كان في أساسه مربوطا بعالم الأفكار والخيال والتأمل، وليس بعالم المادة المحسوس الذي ينتمي إليه كل سلاح يتصوره الذهن ومتعارف عليه، مهما كانت مستوى قدرته على القتل والفتك والتدمير.

مثل هذا التشبيه يذيب الفوارق بين عوالم الأذهان وعوالم الأبدان، وكأن مقدور العلم أن يذهب في الطريق التي يسلكها السلاح، أو أن يكون مجرد خادم له، فتتحول المختبرات والمعامل إلى ما هو أشبه بغرف عمليات الجيوش، وتكون وظيفة العلماء هي تمكين الجنرالات من امتلاك القدرة على إيقاع مزيد من الضحايا في صورة قتلى وجرحى ومشردين ومنكوبين في حروب تصغر وتكبر لكنها لا تتوقف.

ربما قصد من رفعوا هذا الشعار، أو خلقوا تلك الأمثولة، أن يضفوا على العلم قوة وأهمية ومضاء، من منطلق اعتقادهم في أن "السيف أصدق إنباء من الكتب .. في حده الحد بين الجد واللعب" كما قال أبوتمام، دون أن يقصدوا بالضرورة أن يحصروه في حيز الضرر الذي حل بالإنسانية جراء سعي البعض منها إلى امتلاك أدوات للقتل منذ السكاكين الحجرية وحتى الأسلحة النووية والجرثومية.

لكن تصور حلول القوة في الأشياء المادية العنيفة فقط هو تصور عفى عليه الزمن، فقد اكتشفت الإنسانية، بعد طول تفكير، أن لديها كنوزا منسية تمنح الناس أحيانا قوة أكبر من قوة السلاح، التي يمكن ألا تجدي نفعا حين لا تكون الدولة مهددة من جيرانها، أو لا تكون لها أطماع في أي مكان، مؤمنة بأن زمن الاستعمار التقليدي قد ذهب إلى غير رجعة، وأن التحكم في العقول والقلوب أكثر رسوخا من السيطرة على الأبدان، وأن توجيه المال إلى التعليم والتشغيل أولى من ملء المخازن بأسلحة قد يأكلها الصدأ.

ولهذا لم يستسلم علماء السياسة وواضعو الاستراتيجيات طويلا للنظريات التقليدية للقوة الصلبة التي حصرتها بالأساس في أشياء مادية مثل الموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي، والقدرات العسكرية، والإمكانيات الاقتصادية، ووضع السكان، كما وكيفا، بل راحت تؤكد أهمية القوة الناعمة أو اللينة المرتبطة بالأفكار والقيم والرموز واللغات والموروث الحضاري والطاقة الروحية والمعنوية.

وفي قلب هذا الصنف من القوة يجب أن يكون العلم، حتى إن احتاج العلماء إلى استعمال أشياء مادية في تجاربهم المعملية أو الميدانية التي ينفذونها في رحاب الطبيعة. فالعلم طاقة أو قدرة ذهنية بالأساس، وهذه مسألة قائمة منذ أول الخليقة، فالصخرتان اللتان تم حكهما أو صدم إحداها بالأخرى كي ينطلق الشرر، وتولد النار، لم تفعلا هذا من تلقاء نفسيهما، أو اتكاء على كونهما من أصلب الأشياء في الطبيعة، وأن واحدة صغيرة منها بوسعها أن تقتل إنسانا لو قذفت بها رأسه، وإنما لأن هناك عقلا أتته فكرة عظيمة في أن هذا القدح بوسعه أن يشعل النار، بغية طهو الطعام واستجلاب الدفء وإيجاد بقعة مضيئة للائتناس والطمأنينة في ظلام ليل الغابات الدامس.

وطيلة تاريخ البشرية يسعى كثير من العلماء إلى التقليل من الآثار الضارة، بل المهلكة، للإفراط في استعمال الأسلحة، غير مكتفين بإنتاج دواء يعالج الحروق، ويضمد الجروح، وإنتاج معارف تساعد في تأهيل مكلومي الحروب ومنكوبيها نفسيا، بل عدم ترك العلم بالكلية ليكون مجرد خادم لغرائز الجيوش، ومحض وسيلة تحقق مطامح ومطامع القادة العسكريين، عبر دفعه لساحة الخير والبناء، الذي يحتاج إلى انتصار السلام والوئام بين الأمم.

وحتى العلماء الذين يعملون في خدمة السلاح، سرعان ما تنتقل اختراعاتهم إلى الحياة المدنية. فكثير مما ينعم به الناس من تسهيلات في حياتهم ما كان له أن يرى النور لولا النزعة العسكرية الراغبة في الحصول على مزيد من القدرة الهائلة على الفتك، والتي تُسخِّر في سبيل هذا عقولا ذكية، ومختبرات مجهزة بكل الإمكانيات التي تسهل مهمة المعتكفين فيها لسنوات، بغية اختراع شيء جديد في عالم التسلح والسيطرة.

لكن القادة العسكريين يحرصون دوما على أن تكون هناك فجوة زمنية يقدرونها بعناية بين اختراع العلماء، الذي يعملون لحساب الجيوش، شيء ما وبين السماح لخروجه إلى السوق ليصبح متاحا للناس. ولا يقتصر الأمر على الأشياء والسلع المادية بل يمتد إلى وسائط الاتصال والرقمنة وركائز اقتصاديات المعرفة والمعلومات. فالحاسوب تم اختراعه لخدمة الجيش الأمريكي أولا، ومنه انتقل ليصير الآن بين أيدي كل الناس. ومواقع التواصل الاجتماعي التي تزخر الآن بمليارات المتداولين عليها لأسباب شتى، بدأت كوسيلة إلكترونية للتواصل بين وحدات الجيش الأمريكي أيضا.

ولا يعود هذا بالطبع إلى رغبة العسكريين في الإفراج عن مخترعات حديثة كي تكون متاحة للناس في المدن والقرى، ولا يُعزى إلى أسباب تتعلق بالسعي إلى تحقيق منفعة اقتصادية بتوزيع السلعة الجديدة على نطاق واسع في المجتمع الذي ولدت فيه، ثم تصديرها إلى الخارج، بل هناك أيضا قوة الدافع الذاتي الكامنة في العلم نفسه، والتي تسير في اتجاه حدوث هذا الأمر، وتجعل من الصعب تفاديه.

فالعلماء الذين جادوا على الجيوش بمخترع حديث، لا يتوقفون عند ما توصلوا إليه للوهلة الأولى، بل يعملون ليل نهار على تحسين كفاءته وقدرته، وينجحون في هذا، فيخلقون من كل مخترع أجيالا متلاحقة، وهذا يجعل المؤسسات الكبرى التي يعملون في نطاقها بمكنتها الإفراج عن هذه الأجيال تباعا، حتى لو احتفظت بفجوة بين ما توصل إليه علماؤها وبين ما تتناوله أيدي الناس في كل مكان، فيكون الجيل السابع مثلا موجودا لديها، بينما لا يعرف الناس سوى الجيل الرابع أو الثالث، ويظنون كل الظن أن هذا نهاية الأمر.

كما أن سير السباق العلمي على التوازي يجعل للمعرفة العلمية قدرة هائلة على تجاوز أسوار كتمانها والضن بها. فقد يكون ما يفكر فيه علماء أمريكيون مثلا بشأن التسليح وغيره، يرد على أذهان نظرائهم في روسيا الاتحادية أو الصين، ربما ليس عن توارد الخواطر الطبيعي، إنما عن بعض المعلومات الاستخباراتية التي تسعى الدول الكبرى المتنافسة أو المتصارعة إلى الحصول عليها.

وهناك قوة أخرى، ذات دفع لا يستهان به، ليست للعلوم الطبيعية كما تقدم، إنما أيضا للعلوم الإنسانية، لا سيما في مجال الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم السياسة ودراسات الأديان والأخلاق، والتي تدفع في اتجاه ذيوع ورسوخ "ثقافة السلام"، وصولا إلى "السلام الدائم" حسبما كان يريد الفيلسوف الألماني عمانويل كانط وأرادت بعض التصورات عن المدينة الفاضلة، وعن عالم المثل الذي يتصالح فيه الناس، ويغلب الخير فيهم الشر، فيميلون إلى عدم التنازع، وإن تنازعوا يلجأون إلى الحكمة والقانون، وليست القوة العنيفة في تسوية نزاعاتهم، ويعملون ليل نهار من أجل أن يتوافر لهم جميعا حد الكفاية، بعد أن يتخلى الأشرار عن السرقة والاحتكار والغش والتخريب.

يزيد على هذا صوت أولئك الذين ينادون ليل نهار بخيرية العلم وأخلاقياته، فيطالبون العلماء ألا يمتثلون لإرادة من يريدون توجيه عقولهم في سبيل الهدم والدمار، وأن يتذكروا جميعا قصة ألفريد نوبل، مخترع الديناميت، الذي أراد أن يكفر عن سيئاته فأوقف ماله لجائزة تمنح لمن برع في تقديم ما هو مفيد للإنسانية، هي جائزة نوبل ذائعة الصيت.

لكل هذا فإن التعليم، وهو واسطة ووسيلة وإجراء، بلوغ العلم والمعرفة، يجب أن يركز على ترسيخ قيمة العلم في حد ذاته، وأهمية أن يمضي في طريق الخير والتقدم والسعادة، ولا يتحول إلى وسيلة للسيطرة والهيمنة والترويع والتدمير والقتل.

إعلان

إعلان

إعلان