أوقفوا دفن التاريخ.. "صحافة سوهاج" في بدروم سيادته

أوقفوا دفن التاريخ.. "صحافة سوهاج" في بدروم سيادته

فتحي سليمان
11:05 م الأحد 08 يوليو 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

في قاعة ليست بالمتسع الكافي، أثاثها بسيط، ولون جدرانها مُريح، جوها يميل إلى البرودة، لكن أجواءها دافئة، تشم بمجرد أن تطأها قدمك عبقا تاريخيا وتحن إلى الماضي، فلا تمنعك نفسك من الجلوس حيناً لو كان وراءك ألف موعد.

في كل مرة، نذهب إلى هناك، نختلف في وجهتنا لزيارة الأماكن ونحتار فيمن نُجري حواراتنا ومع من نلتقي.. محافظ.. مدير أمن.. رئيس جامعة.. ونتردد في الذهاب لمكاتب الأصدقاء المسؤولين الذين تفصلنا بينهم مسافة لنحو ٥٠٠ كيلو متر بسبب طبيعة عملنا في العاصمة، لكننا لم نتردد لحظة في الجلوس داخلها، وطلب عصير الليمون من "عم عمر".. أحد أهم معالم قسم صحافة سوهاج التاريخي.

في عام ٢٠٠٦ انتخبني زملائي في كلية آداب بسوهاج رئيساً لاتحاد الطلاب، وكنت في الفرقة الثالثة بقسم الصحافة، ذهبت للمرحوم العالم الدكتور منير حجاب رئيس القسم آنذاك وأخبرته بنتيجة الانتخابات وفرحتي بما حققت للقسم مِن مكسب (٤ مقاعد للقسم من ١٢ مقعدا في كلية بها ١٤ قسما أصغرها صحافة).. فربت على كتفي وهو ينفث دخان سيجاره الشهير.. قائلاً: "يا بني فرحتي الحقيقية لما أشوف القسم ده كلية كبيرة.. والإمكانيات البشرية اللي عندنا تنافس أجدع كلية في مصر.. وأبص على خريجيه يمثلون نحو٣٠ ٪؜ من قوة الجمعية العمومية للنقابة والجماعة الصحفية".

تناقشنا، وتحاورنا وانتهينا بسؤاله.. هل يمكن أن يتحقق هذا ومتى؟! لقد طلبوا مني خطة ولائحة لذلك لكنهم كالعادة.. مسؤولينا لا تتخطى وعودهم حاجز شفاههم.

بالأمس تحدث معي أحد الزملاء بالأهرام من خريجي القسم، وقال لي ما نصه "إنت عرفت.. هيغتالوا قسم الصحافة.. وحاولت أتكلم مع رئيس الجامعة لكنه رفض".. ضحكت وأخبرته أن في إيدي شغل ولا وقت للمزاح الآن، .. ليرد بعصبية "أنا ما بهزرش.. بقولك قسم الصحافة! هينقلوه في بدروم في الصحراء الغربية"..

أعلم أن ثمة خطة لنقل تدريجي للجامعة مِن مقرها الحالي شرق النيل بسوهاج إلى منطقة جبال الكوامل عند الصحراء الغربية، لكني لم أتوقع أو أتخيل أن يجيء الدور على قسم الصحافة وقاعته.. لماذا..؟!

أقول لك: هل من الممكن أن يخرج صحفي يتدرب على التحدث بلسان الناس ويعرض همومهم، وينصهر في أزماتهم وهو في منعزل في بدروم منطقة صحراوية؟!

إليك خطتهم الجهنمية لإخراج جزء من قادة الرأي العام المصري وموجهي بوصلة الرأي العام وإحدى أدوات الدولة في مكافحة الفساد.. الأساتذة في الطابق الخامس.. المعمل في بدروم منعدم التهوية.. قاعة الدرس في مكان آخر "يعني لو دكتور عنده رغبة يدرب الطلاب في المعمل يكسل ينزل أكثر من مرتين في اليوم والعكس صحيح".

كانوا وكنا وكنت واحداً منهم، وردنا ذلك المنهل العذب، استدرسنا من معلميه، وتلقينا كيفية ترشيد الرأي العام وتثقيفه وتوعيته من أساتذته، فاستزذنا من ثقافة مثقفيه، وصرنا نخطو دون أدوات وسط خريجي الجامعات الكبيرة بإمكانياتها الهائلة بدعم منهم وإصرار منا، فصرنا إلى ما صرنا إليه، ووضعنا أسماءنا "نحو أكثر من ٣ آلاف زميل عضو بالجمعية العمومية لنقابة الصحفيين" من خريجي تلك القاعة التاريخية التي يتجاوز عمرها أكثر من 43 عاما.

تواصلت مع السيدة الفاضلة والأستاذة المعلمة الدكتورة عزة عثمان، رئيس القسم الحالي، وأخبرتني أن قرار نقل القسم إلى المقر الجديد، هو قرار "غير مدروس" وينفي أعرق قاعة أثرية عمرها 43 سنة.

أخبرتني الدكتورة عزة أنها تواصلت قبل شهر رمضان مع رئيس الجامعة، الدكتور أحمد عزيز، وأبلغته أن القرار سيكون بمثابة القضاء على قسم الإعلام، فالمقر الجديد مجهز فقط للأساتذة وأعضاء هيئة التدريس، أما قاعات الطلاب، فهي عبارة عن "بدروم" و لا تليق بقسم تطبيقي يتعامل طول اليوم مع المجتمع، بعكس الكليات المتخصصة، مثلا العلوم لها 4 مبانٍ، فوعدها سيادته بموافقته على تخصيص الطابق الأرضي بالكامل لقسم الصحافة في مقره الحالي بعد نقل جميع الأقسام، وهو ما لم يحدث، وفوجئت وأعضاء هيئة التدريس منذ يومين- والكلام للدكتورة عزة- بإبلاغهم بقرار النقل إلى صحراء سوهاج الجديدة، دون حتى إبلاغ القسم ومن فيه.

يا سادة أوقفوا نقل قاعتنا ونفيَ ما تبقى من تاريخنا وطمسَ الأشياء التي سكنت وجداننا.. بادعاء التطوير، لأنه لم يعد لنا سوى تلك الجدران، نتمسح فيها كل مرة علها تسامحنا عن الابتعاد كرهاً.

إعلان

إعلان

إعلان