• التعليم الأزهري.. ما له وما عليه (3 ـ 10)

    التعليم الأزهري.. ما له وما عليه (3 ـ 10)

    د. عمار علي حسن
    09:00 م الأربعاء 16 مايو 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    جاءت الخطوة الكبرى على درب إصلاح التعليم الأزهري في عهد الخديوِي إسماعيل، ودشنها قانون صدر عام 1872، لتنظيم حصول الطلاب على شهادة "العالمية"، وتحديد المواد الدراسية بإحدى عشرة مادة، زاوجت بين العلوم الدينية والأدبية، إذ حوت الفقه والأصول والحديث والتفسير والتوحيد والنحو والصرف والبيان والبديع والمعاني والمنطق.

    كما حدد القانون طريقة امتحان الطلاب، بأن يوضع الطالب موضع المدرس، ويصبح ممتحنوه في موضع الطلبة، فيلقي الأول درسه ويناقشه الآخرون في مختلف فروع العلوم نقاشا مستفيضا، قد يمتد لساعات طويلة، بعدها يتم الحكم على مستواه العلمي.

    وبذا يبدو هذا القانون بمثابة خطوة أساسية في طريق نقل الأزهر من مجرد "جامع" يعطي دروسا في مختلف علوم الدين وغيرها، إلى "جامعة" لها نظام في التدريس.

    وبعد هذا بربع قرن تقريبا، وتحديدا عام 1896، دبت عافية الإصلاح قوية في ربوع الأزهر، بفعل عدة قوانين صدرت في عهد الإمام حسن النواوي، الذي تولى المشيخة خلال الفترة من 1896 إلى 1900، كان للإمام العظيم محمد عبده دور كبير في سَنها.

    وحدد هذا القانون سن القبول للأزهر بخمسة عشر عاما، شريطة الإلمام بمبادئ الكتابة والقراءة. والأهم كان إدخال عدة علوم على المناهج التعليمية الأزهرية، منها التاريخ الإسلامي والهندسة وتقويم البلدان (الجغرافيا). وبمقتضى القانون نفسه أضيفت "شهادة" قبل العالمية سميت "الأهلية"، كانت تتيح لحاملها الخطابة بالمساجد، أما من يحصل على "العالمية"، فيحق له التدريس بالأزهر نفسه.

    وقد فتح الإمام محمد عبده برؤيته المستنيرة الموسوعية، نوافذ الأزهريين على الحياة الفكرية العامة، فراح تلاميذه، أو من تأثروا بأفكاره يكتبون إلى الصحف اليومية، بعد طول احتجاب. ومن بين هؤلاء محمد شاكر، وإبراهيم الحيالي، وعبد المجيد اللبان، ومحمد حسنين مخلوف، ومن بعدهم مصطفى لطفي المنفلوطي، وعبدالعزيز البشري، ومصطفى عبدالرازق، وقاسم أمين، ومحمد الهيادي، وعبدالرحمن البرقوقي، ووصل الأمر إلى أن بعضهم أصدر مجلات أدبية، مثل "الثمرات" لحسن السندوبي، و"عكاظ" لفهيم قنديل، و"البيان" لعبد الرحمن البرقوقي، وشارك كثيرون في الجدل الفكري الذي أحاط بالحياة الاجتماعية والأحوال السياسية التي سبقت وواكبت وأعقبت ثورة 1919.

    وصدر قانون عام 1908 في عهد المشيخة الثانية للشيخ حسونة النواوي، تم بمقضتاه تأليف مجلس عال لإدارة الأزهر برئاسة شيخ الأزهر، وعضوية كل من مفتي الديار المصرية، وشيوخ المذاهب الحنفي والمالكي والحنبلي والشافعي، واثنين من الموظفين. وفيه أيضا تقسيم الدراسة لثلاث مراحل: أولية وثانوية وعالية، ومدة التعليم في كل منها أربع سنوات، يمنح الطالب الناجح في كل مرحلة شهادة معتمدة.

    وخلال عهد الإمام سليم البشري، الذي تولى المشيخة لمرتين، (1900ـ 1902/ 1909 ـ 1916) تم تشكيل أول مجلس إدارة للأزهر، تلاه صدور القانون رقم 10 لسنة 1911، والذي حدد اختصاص شيخ الأزهر، ونظام التوظيف فيه، ونُظم الدراسة وجعل لها مراحل، ووضع شروطا لقبول الطلاب، وحدودا للعقوبات، وكذا نظم الامتحانات، والحصول على الشهادات. وإثر صدور هذا القانون لوحظ إقبال المصريين على الأزهر، وأنشئت عدة معاهد في عواصم المدن المصرية.

    وأنشأ هذا القانون هيئة تشرف عليه تحت رئاسة مشيخة، تسمي مجلس الأزهر الأعلى، وأوجد هيئة كبار العلماء، التي تغير اسمها في ظل مشيخة الإمام محمد مصطفى المراغي (1928 ـ 1929/1935 ـ 1945) إلى "جماعة كبار العلماء"، وكانت تتكون من صفوة علماء الأزهر، وهي نواة لـ"مجمع البحوث الإسلامية" الذي يشتد حضوره، إلى جانب "جبهة علماء الأزهر" التي تملأ الدنيا صخبا من خلال تعليق بعض أعضائها على الأحداث الجارية، أو رقابتهم على بعض الأعمال الفكرية والثقافية، التي يدور حولها لغط، وتوجه إلى مؤلفيها اتهامات بالتجديف في الدين، وهي المسألة التي زادت بشكل ملموس في عهد إمامة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق (1982 ـ 1996)، ولا تزال قائمة حتى الآن.

    لكن بذرة تحول الأزهر إلى "جامعة" غرست عام 1930، في عهد الإمام محمد الأحمدي الظواهري (1929 ـ 1944)، حيث صدر القانون رقم 49 لسنة 1930، الذي كان قد أعده الشيخ المراغي. ومثّل هذا القانون خطوة لإصلاح الأزهر، مكنته من مسايرة التقدم العلمي والثقافي والمعرفي.

    فبمقتضى هذا القانون تحددت مراحل التعليم في أربع: ابتدائية لمدة أربع سنوات، وثانوية لخمس سنوات، وثلاث كليات للشريعة الإسلامية، وأصول الدين، واللغة العربية، مدة الدراسة بكل منها أربع سنوات، ثم تخصص مهني مدته سنتان في القضاء الشرعي والإفتاء، وفي الوعظ والإرشاد، وفي التدريس، ثم تخصص المادة لمدة خمس سنوات، تؤهل الناجح للحصول على العالمية مع درجة أستاذ. ويعد هذا القانون الذي أنشئت بمقتضاه الكليات الثلاث والتخصصات المدنية والعلمية هو بداية الميلاد الحقيقي لجامعة الأزهر بالشكل الذي هي عليه الآن.

    وجاء القانون رقم 26 لسنة 1936، ليثبت هذه المراحل التعليمية، ثم استحدث مرحلة رابعة وهي الدراسات العليا، حيث يتم منح درجتين هما: شهادة العالمية مع الإجازة في التدريس أو القضاء أو الدعوة وتعادل الماجستير، وشهادة العالمية مع لقب أستاذ، وتؤهل الحاصلين عليها للتدريس بالكليات الأزهرية وتعادل الدكتوراه.

    ونكمل الأسبوع المقبل- إن شاء الله تعالى.

    إعلان

    إعلان

    إعلان