• هل يسقط "الأسانسير"  بمسئول كبير؟!

    هل يسقط "الأسانسير" بمسئول كبير؟!

    فتحي سليمان
    07:01 م الجمعة 02 فبراير 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    لم يتبق له سوى شقيقته الكبرى المتزوجة في قرية بعيدة، آخر ما بقي من رائحة الأحباب، يخشى أن يخبرها بما حدث فيفقدها هي الأخرى، وظروفها الصحية لا تحتمل صدمة أخرى بعد وفاة مولودها وخضوعها للعلاج داخل المستشفى.

    وقف مرتعشاً، يبكي تارة ويهدأ أخرى، يستند بجسده الهزيل فوق أريكة وُضعت وسط مضيفة العائلة يتلقى العزاء في أسرته التي فقدها بالأمس، بالكاد ينحني شاكراً من جاءوا لمواساته، يأبى الجلوس، كما يرفض عقله الباطن تصور الوجع، "ماتت كل أسرته المكونة من والديه وشقيقته وعمته وزوجة عمه، ورأى جثثهم أمام عينيه منهم من كلمه قبل الرحيل، وآخرون غطت الدماء ملامحهم ورحلوا دون سلام أو كلام.

    "عبدالنبي محمد فودة موظف السكة الحديد" قتله الإهمال برفقة الزوجة والابنة والشقيقة وزوجة ابن العم.. راحوا جميعا ضحايا كارثة "أسانسير مستشفى بنها"، رحلوا بعد زيارة "الجدة" المريضة بحجز العظام في طابق المستشفى السابع، تاركين جرحاً غائراً وألماً ساكناً بين ضلوع نجلهم، أحمد يصرخ بلا انتهاء.

    ظلت عيني الصغير طيلة تلقيه العزاء مغرورقتين بالدموع، تنتحبان دون ضجيج، يكشف احمرارهما، ألمه الثائر بين ضلوعه، كلما تذكر مصيبته، وما لحق بأسرته في الكارثة، تعبر قسمات وجهه عن عباراته المكتومة وحجم مأساته التي لا يستطيع أي لسان وصفها أو البوح بها.

    عيناه تحملان وحدهما وجعاً رابضاً بين الضلوع، تأبى الجبال حمله، فكلما تذكر عبارة "قلبي واجعني"التي قالتها شقيقته شيماء له قبل الرحيل يسترجع ذلك المشهد الدامي البائس، فيستصرخه من داخله، ولا يبرح باطن عقله مشهد نقل جثث الأحباب من المصعد المنهار، فوق "تروللي" المستشفى إلى غرفة العمليات، ليكون آخر مشهد يجمعه بأسرته وهو عاجز عن احتضان أحد منهم.

    لا تفارق مخيلته والدته قبل أن يتركها مهرولاً للاطمئنان على أبيه: "قالت لي اطمن يا بني انا كويسة وبخير"، لكنها لم تكن هذه المرة كما عهدها منذ طفولته قوية ثابتة عنيدة تتحدى الظروف، فلقد أجبرها القدر هذه المرة على أن تصبح رقماً في كشف بائس للضحايا.

    يضع يديه فوق رأسه، كأنه يحاصر مصيبته التي تدق كمطرقة فوق السندان: "أبويا مسمعتلوش صوت وعمتي ومرات عمي كانوا خلاص ماتوا.. آخر صوتين سمعتهم أمي وأختي اللي كانت بتحرك شفايفها وبتقول قلبي واجعني".

    تتمزق كلمات أحمد، ويشهق فيحتار، وينتفض وينتكس وحيداً مصدوماً تثخنه جراحه كالطير المذبوح بعد أن فقد أحبابه وأغلى من لديه.

    وكأي مصيبة أو حادث لا يتحرك المسئول المصري إلا بعد حدوثها، سقط مصعد مستشفى بنها، وانتفض المسئولون للثورة على المصاعد المتهالكة، وانتقل الوزير والمحافظ ورئيس الجامعة، و... وصدرت تعليمات وتوجيهات وبيانات، وفُتحت تحقيقات واستجوابات، وكالعادة تنتهي التحقيقات وتنتقل الأضواء إلى حدث آخر، ويظل صاحب المأساة وحيداً لا يجد من يطبب جراحه أو "يطبطب" عليه.

    ويبقى السؤال.. هل سقط الأسانسير مرة بمسئول كبير؟ وماذا لو حدث ذلك - لا قدر الله-؟

    إعلان

    إعلان

    إعلان