• ثمن المعرفة

    ثمن المعرفة

    د. أحمد عمر
    11:00 م الأحد 09 ديسمبر 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    الذين يعانون من اكتئاب ما بعد الصدمة في أعقاب الحوادث الكبرى التي تمر بهم- يتمتعون بإدراك عقلي وحسي وحدسي قوي، يمكّنهم من رؤية ما لا يراه الآخرون، وكشف حقيقة الواقع الذي يعيشونه، وفهم دوافعهم في الحياة، وتحديد طبيعة وغاية علاقاتهم مع الآخرين، وما يريدون تحقيقه في العمر المتبقي لهم.

    وكذلك الأمر في حالة المحكوم عليهم بالإعدام، عندما تكون نهاية حياتهم قد تحدد موعدها، فهم يتحررون فيما تبقى لهم من أيام قليلة من الانشغال بالأمور الدنيوية المادية، ويمعنون ببصيرة حادة النظر في حياتهم الماضية، ليقفوا على خياراتهم في الحياة ودوافعهم الحقيقية في سلوكياتهم الماضية، التي لم يكن من الوارد إدراكها في الظروف العادية؛ فيصبحون حكماء وأصحاب معرفة، ولكن في الزمن الخطأ؛ لأنهم لن يستطيعوا جني ثمارها وتغيير حياتهم للأفضل.

    وتلك الحقائق توضح لنا أن دراما حياة الإنسان تكمن في أنه لا بد أن يدفع ثمن معرفة حقيقة ذاته والعالم والناس، من خلال البحث والقراءة والتجربة والصدمة؛ فالدنيا لا تُعطي البشر دروسًا مجانية، مع ضرورة العلم بأن ما تعلمه لنا الحياة بقسوة أكثر مما تعلمه لنا الكتب؛ ولهذا قال الأديب الروسي مكسيم جورجي: "ما يعلمك إياه الناس يأتيك في ألمٍ وقسوةٍ أكثرُ مما تعلمك الكتب".

    والسعيد من أُعطِي فرصة بعد معرفة الحقيقة، وفهم حقيقة البشر، وفهم الحياة ومنطقها ومفارقاتها، ليُعيد رسم وتجديد أبعاد وجوده الخاص والعام، وتحديد نوعية خياراته وطبيعة علاقاته في الحياة، دون أن تقتله معنويًا أو ماديًا أسرار وحقائق معرفته الجديدة، وتبعات التجارب الفاشلة والقاسية التي مر بها.

    والشقي مَن عرف الحقيقة متأخرًا، بعد أن لم يعد هناك مجال للتغيير أو التبديل، فعاش ما تبقى له من سنين وأيام يبكي العمر والأحلام.

    والأكثر منه شقاوة في الحياة مَن عرف الحقيقة مبكرًا، واستمر في خداع ذاته، وعيش حياته وعلاقاته وما بها من جوانب قصور وتشوهات، وكأن شيئًا لم يكن؛ لأنه شخص يفتقد للصدق مع الذات والآخرين، ويفتقد أيضًا لشجاعة الوجود وإرادة التغيير.

    فليتنا نتعلم هذا الدرس الوجودي جيداً، فنمتلك شجاعة المواجهة وإرادة تغيير ما لا نرضاه في حياتنا؛ فالإنسان يعيش مرة واحدة، وعليه في زمن حياته القصير أن يحدد أولوياته، ويفعل كل ما يُعطي حياته معنًى ووجوده قيمةً، وكل ما يجعله سعيدًا؛ "فالسعادة ليست خطيئة" كما قال الأديب البرازيلي الشهير باولو كويلو.

    والإنسان لن يكون متحققًا وسعيدًا إلا عبر البدء في تنفيذ مشروعاته المؤجلة، وعبر التوقف عن نقده القاسي لذاته أو رثائه لها، والإحساس الدائم بخيبة الأمل، والتوقف كذلك عن هدر أخصب سنوات عمره في علاقات مُعوقة، وفي البحث عن أحلام وأولويات مضللة، وفي العيش في جغرافيا خانقة وباطلة، سواء أكانت تلك الجغرافيا الباطلة مادية ملموسة، أم من صنع خياله وأوهامه وعجزه عن معرفة حقيقة ذاته ووجوده والعالم من حوله.

    إعلان

    إعلان

    إعلان