عهد التميمى.. في شرفة غسان كنفانى

عهد التميمى.. في شرفة غسان كنفانى

خيري حسن
07:00 م السبت 06 يناير 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

كانت الساعة تقترب من الثانية عشرة من مساء ليلة الجمعة، 7 يوليو 1972. الظلام يقتحم سكون وهدوء العاصمة بيروت في حذر، خاصة في منطقة تسمى الحازمية. الإضاءة خافتة، وحركة السير توقفت تماماً، إلا من صوت سيارة إسعاف تمر مسرعة في طريقها لإنقاذ مريض في مكان ما. على صوتها يخرج رجل اسمه ( مضر الدادا) إلى شرفة منزله، وفي يده سيجارة وفي الأخرى فنجان قهوة. يجلس على المقعد القريب منه، وينفث في الفضاء دخان سيجارته. أسفل العمارة كلب ينبح على فترات، ويعوي بصورة مستمرة ومستفزة. الرجل ينظر للكلب من مكانه، ثم يطفئ السيجارة ويضع فنجان قهوته أمامه، ويوجه بصره للناحية التي يركز عليها الكلب نباحه وعويله. الظلام من بعيد يخبئ وراءه من يريد الاختباء، والرجل من مكانه يحاول هزيمة الظلام، وأخيراً ينجح بصعوبة في أن يرى شبحين يتحركان بالقرب من العمارة المجاورة التي يسكن فيها صديقه الكاتب والمبدع والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني (1936ـ 1972). الرجل يركز بصره قدر الإمكان حتى يعرف من هما؟ ولماذا يتحركان وراء الظلام؟ وهل هما عرب أم أجانب؟ وعندما فشل في إيجاد إجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، أطفأ نور شرفته، ودخل إلى حجرته، ومدد جسده على سريره، محاولاً استدعاء النوم على صوت نباح الكلب الذى مازال يعوي أسفل العمارة، وكأنه ينبه إلى شيء ما لا يراه غيره، وفى النهاية نام الرجل حتى الصباح، ولم ينتبه، وهدأ نباح الكلب رويدًا رويدًا، حتى سكت صوته تماماً مع طلوع شمس يوم السبت الموافق 8 يوليو 1972، في ذلك الصباح كانت شوارع بيروت هادئة، والحركة في الشوارع عادية، وعندما وصلت الساعة العاشرة و40 دقيقة نزلت فتاة لا يتعدى عمرها الـ18 عاماً اسمها (لميس حسين نجم) من باب العمارة، والكلب ما زال في مكانه، يكاد يفك قيده ويقفز إليها، محذراً ومنبهاً. ترجلت الفتاة عدة خطوات حتى وقفت بجوار سيارة ماركة أوستن 1100. وضعت يدها على مقدمتها، ووجهت نظرات عينيها إلى مدخل العمارة في انتظار خروج خالها (غسان كنفاني) الذي تحبه وتتخذه قدوتها ومعلمها وملهمها، بعدما زرع بداخلها منذ الصغر.. ماذا تعني كلمة وطن! يدها على السيارة، وعيناها على خالها الذى لم يظهر بعد. كانت لميس- التي عادت بالذاكرة قليلاًـ تعيش مع أسرتها في الكويت قبل أن تصل إلى بيروت، حيث كانت تعمل أمها هناك- أخت غسان الكبرى- بالتدريس قبل سنوات. وهي المهنة نفسها التي عمل بها غسان في الكويت قبل أن يستقر به الحال في لبنان، ومن قبلهما قضى فترة في سوريا. ومن قبل هذه المدن العربية الجريحة من جراء نكسة 67 عاش في مخيمات اللاجئين، وكانت حياته شديدة القسوة. ولد في عكا- مع أمها التى كانت دوماً تحكي لها هذا التاريخ- والتحق بمدرسة الفرير في يافا، حيث كانت تعيش أسرته في حي يسمى المنشية القريب من تل أبيب. في ذلك الوقت بدأت أولى الحوادث بين العرب واليهود إثر قرار تقسيم فلسطين، ترك الأب وأولاده يافا وتوجه إلى عكا، ثم عاد إلى يافا، ثم عادت الاشتباكات، فغادرت الأسرة في سيارة شحن إلى لبنان، ثم بعد فترة انتقلوا إلى حلب في سوريا. تفوق في دراسته، وانضم في مطلع شبابه إلى حركة القوميين العرب، وفى عام 1955 انتقل للكويت، ومن بعد الكويت استقر به الحال في لبنان، بعدما ترك التدريس واحترف الصحافة؛ ليحول الحرف إلى رصاصة، والكلمة إلى بندقية. والفكرة إلى قضية، والهدف هو تحرير أرضه وبيته ووطنه، الذى رآه يسلب أمام عينيه منذ الطفولة. مرت 5 دقائق ولميس مازالت تتذكر، وتنتظر أن يخرج من العمارة حتى تذهب معه إلى مقر عمله في صحيفة (الهدف) التي يرأس تحريرها كما وعدها ليلة أمس. سيارة سوداء تمر بهدوء بجوارها، وتنظر بعين فاحصة للمكان، ويقف من فيها على ناصية قريبة، يراقب المشهد من بعيد. وفى تمام الساعة العاشرة و45 دقيقة يظهر غسان على باب عمارته بوجه يحمل ابتسامة، وفى يده أوراق وعدة صحف وعلبة سجائره. ابتسمت لميس، وأشارت له بيدها، مرحبة به، وتحركت لتركب بجواره. فتح لها الباب، وجلست بالفعل، ووضعت شنطة يدها في المقعد الخلفي، واستعدت لتمد يدها لتدير مؤشر راديو السيارة بحثاً عن صوت فيروز. اتخذ غسان وضعه في مقعده هو الآخر، ووضع ما معه من أشياء، ثم نظر لابنة أخته نظرة كلها تفاؤل ونشاط وأمل، ثم وضع مفتاح (الكونتاكت) في مكانه ليدير محرك السيارة، وفى لحظة انفجرت السيارة انفجاراً عنيفاً مدوياً، ليهتز الشارع بكل ما فيه، حتى إن التحقيقات أثبتت أن السيارة لو كانت في مكانها بجراج العمارة، فإن كمية الدناميت التي وضعت بها كانت كفيلة بنسف المبنى تماماً. وقد كشفت التحقيقات عن أنه تم زرع قنبلة من البلاستيك فوق ماسورة عادم السيارة، حتى إذا ما أدار محركها، فإنها تنفجر في اللحظة نفسها، بعدما تم وضع نحو 5 كيلو من المتفجرات فيها. استشهدت في الحادث الفتاة لميس، التي لم تستطع حتى إدارة مؤشر الإذاعة في راديو السيارة، وبدلاً من أن يأتيها صوت فيروز لتغني للصباح أو للقدس، جاءها صوت الانفجار القاتل، ليغتال معها الهدف الذي سعت له إسرائيل، والهدف كان غسان بالطبع، ربما حدث ذلك عن طريق عملاء كانوا ليلة الحادث يختبئون في جنح الظلام، لينفذوا الجريمة حتى يسكت صوته الحر المقاوم الذى كان يصرخ دائماً: "كن رجلًا تصل إلى عكا، أما إذا كنت لاجئاً فقط، فلن تراها ولن يراها حتى أحفادك". لقد استشهد في الحادث المناضل الصادق والباحث الدؤوب والصحفي صاحب المبدأ والكاتب صاحب القضية (غسان كنفاني). استشهد وهو يؤمن بأن الشعب الفلسطيني لديه قضية يقاتل من أجلها. وأن هذا الشعب يفضل الموت واقفًا على أن يخسر قضيته. وربما هذا الذى جعله يهزم مرض السكر الذى أصابه منذ الصغر، ولا يستسلم لتوابعه الصحية والجسدية، فكان يضع في جيبه حقنة الإنسولين ليقاوم بها المرض، مثلما يضع في الجيب الآخر قلمه ليقاوم به المحتل. نقلت وكالات الأنباء وقتها الخبر.. اهتزت بيروت والعواصم العربية حزناً على استشهاده، وفى مكان الحادث وجد المحققون قصاصة ورق عليها شعار إسرائيل، وهو نجمة داود. الكلب ما زال ينبح وزاد عويله. وفرق البحث تفتش في المكان وفوق أحد أسطح العمارات المجاورة حتى عثروا على إحدى يدي غسان، طارت من شدة الانفجار، أما باقي جسده الطاهر، فقد تحول إلى أشلاء متفرقة في حديقة مجاورة للمنزل. وفى شرفة شقته، كانت تقف طفلة فلسطينية- أو هكذا أتخيل- ربما تكون ابنته، أو ابنة صديقه، أو ابنة جاره، أو ابنة لأي أب فلسطيني آخر، تراقب المشهد، وهي تسمع صفارات سيارات الإسعاف وترى كاميرات الصحفيين ورجال الأمن والمحققين والعشرات من الناس الذين هرعوا لمكان الحادث.. والمؤكد أن هذه الفتاة وقتها، لم تكن تعرف من هو هذا الفدائي، ولا من هو هذا الكاتب، ولا من هو هذا الروائي، ولا من هو هذا البطل، لكنهاـ بدواعي النشأة والتكوين- شعرت مثل كل طفل فلسطيني، بأن غسان كنفاني مات حتى تعيش هي ويعيش الوطن.

مات وترك لها إبداعه ليقول إن لها وطناً ولها أرضاً ولها حقًا في العودة، فهناك في كل شبر من الأرض المحتلة بيت ومدرسة وشجرة زيتون ينام ويدرس ويجلس فيها محتل غاصب، سرق وسلب حقها، وطردها من البيت ومن المدرسة، واستولى حتى على ظل الشجرة، التي كانت تؤويها وتؤوي أسرتها من قبل، لذلك يجب مقاومته، حتى يعود الحق لأصحابه. وأنها ستدافع عن بيتها وتحميه بجسدها وروحها، وحسها الثوري الفطري، حتى لو كلفها ذلك الاعتقال والحبس أو الاستشهاد مثل باقي أفراد عائلتها. هل هذه الطفلة التي أتخيلها هي (عهد التميمي) ابنة الـ16 عاماً التي صفعت الجندي الإسرائيلي حتى لا يمر، ويصعد إلى سطح منزلها ويصطاد بالرصاص، هو وزملاؤه الشباب الفلسطينيين وهم يتظاهرون؟ ربما! وإن كانت هي، فهل هذا معناه أنها قرأت من قبل في عيون أمها كلمات غسان كنفاني التي قال فيها "إن هذا الشعب لن يهزم أبداً"؟ ربما!، لكن تبدو في هذه اللحظة واقفة في مكانها تودع غسان بالدعاء.. وأنها من مكانها بدموعها تلملم أشلاءه، التي وجدوا بجوارها قصاصة ورق مكتوبة عليها عبارة "مع تحيات سفارة إسرائيل في كوبنهاجن، في إشارة من القتلةـ بها سخرية وقحةـ لزواجه من فتاة دنماركية اسمها (آني) كانت تشاركه الإيمان بالقضية منذ أن عرفها وتزوجها عام 1961. انتهت سيارات الإسعاف من حمل أشلاء غسان كنفاني وابنة أخته لميس، أما جاره الذي لم يلتفت ليلة أمس إلى نباح الكلب، عندما كان القتلة يتسترون بالظلام، وهم يرتبون للجريمة، فهو الآن يجمع بعض أشياء صديقه التى تبعثرت في المكان وقت الحادث، ويبكي قائلاً: "ما أشد عذابى.. لماذا لم يخطر ببالى ليلة أمس "غسان كنفاني". عهد التميمي مازالت في الشرفة تراه من مكانها، فتسحب بهدوء ستائرها قليلاً، وتختفي وراءها، وبعد قليل تغادر المكان، في انتظار أن تأتي "عهد" جديدة أو"عهد" جديد.. فى يوم جديد من أيام المقاومة.

إعلان

إعلان