• القبيلة الآفلة والذكورة المهدورة

    القبيلة الآفلة والذكورة المهدورة

    فتحي سليمان
    09:01 م الخميس 07 سبتمبر 2017

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    "أراد رجلٌ فاحشُ الثَّراء أن يُشعر ابنه بقيمة النِّعم التي بين يديه، ويُريه كيف يعيش الفقراء من الناس، فاصطحبه معه في رحلة إلى البادية، وقرَّر أن يقضي أيامه في ضيافة أسرة فقيرة، تحيا في مزرعة بسيطة، ولا تملك من رغد الحياة ما يتمتع به، وبعد عدة أيام وفي طريق العودة سأل الأب ابنه: كيف كانت الرحلة؟! أجابه الابن: كانت جيدة. فقال الأب: هل رأيت كيف يعيش الفقراء؟ فأجابه نعم، فقال الأب: إذًا أخبرني ماذا تعلمت من هذه الرحلة؟!.

    قال الابن: "لقد رأيت يا أبي أننا نمتلك كلبًا واحدًا وهؤلاء الفقراء يمتلكون أربعة، ونحن لدينا بركة ماء في وسط حديقتنا ولديهم جدول ليس له نهاية، ونحن جلبنا الفوانيس لنضيء حديقتنا، لكنهم لديهم نجومٌ تتلألأ في السماء، ومنزلنا به باحة تنتهي عند الحديقة الأمامية، لكنَّ لهم امتدادًا كالأفق، ولدينا مساحة صغيرة نحيا عليها، وعندهم مساحات طبيعية تتجاوز تلك الحقول الخضراء، ولدينا عمال يقومون على خدمتنا، وهم يقومون بخدمة بعضهم البعض، ونشتري طعامنا وهم يأكلون مما يزرعون، نحن تحمينا أسوارنا العالية، ولديهم أصدقاء يحمونهم بالحب ويغمرونهم بالدفء".

    اندهش والد الطفل صامتًا متعجبًا من فصاحة ابنه وحينها رد الطفل قائلًا: "شكرًا لك يا أبي لأنك أريتني كم نحن فقراء".

    هذه قصة وإن كانت رمزية تُرسِّخ معاني الثراء غير المحصور في الأموال فقط تضعك أمام عدة حقائق تكتشف حينها كم نحن فقراء وفارغون مادِّيا ومعنويًّا.

    فكم سمعنا من مشايخنا في المساجد ونحن صغارًا، أن المفلس من يأتي يوم القيامة وقد سبَّ وشتم وظلم فأخذ هذا من حسناته وأخذ هذا من صدقاته فلم يعد له شيء يجني ثماره، وكان يقول جدي رحمة الله عليه: "الفقر في الدماغ والراجل بأخلاقه مش باللي معاه ياولدي".

    ولطالما تعلمنا في الحياة أن الفقر لا يرتبط فقط بضيق ذات اليد فغالبًا ما كانت تخنقنا ظروفنا –وما زالت تفعل- ويحسبنا غيرنا أغنياء من التعفف، وسخاء اليد والعطاء، وكم من معارف لنا لا حصر لممتلكاتهم ونعمهم التي وهبها الله لهم ودائمًا ما يشكون ويضجرون ويسخطون من كد الحياة وظروفها، وترهقهم مظاهرهم وكأنهم في حالة دائمة من العوز والحاجة، فيضيق من يجلس معهم، ولا تجد في صحبتهم سلوى ويدخلون على نفسك الضيم والهم من كثرة الشكوى.

    عاش الآباء والأجداد رغم بساطة ما في يدهم أحباء متآخين، فسهلت الحياة ولانت ظروفها، وارتفعت هممهم لأنهم جعلوا في أخلاقهم آية وعرفوا قدر الرجال فأنزلوهم منازلهم وكانوا دائمًا ما يعرفون أن "الجلابيب ياما بتداري"، لذلك لم ينخدعوا بالمظهر ولم يتحكم مبدأ الصفقات في حياتهم، فعاشوا وماتوا أعزاء اليد كرماء الطبيعة على سجيتهم متهللين سَمْحى بدون تكلُّف أو تصنُّع.

    يقولون إن ثورة 25 يناير أظهرت الجانب الأسوأ للمجتمع أخلاقيًّا، وأفرزت جيلًا عابسًا سطحيًّا لا رغبة منه ولا فيه للإصلاح، والحقيقة أنه لا ذنب للجيل الذي قام بالثورة ولا الثورة التي خرجت من رحم مجتمع تزيل قائمة كل دول العالم في التعليم والثقافة والصحة والزراعة والصناعة وما عاد له قبلها ولا تزامنًا مع اندلاعها أي شيء تميز به يُذكر.

    تلاشت العادات الأصلية الأصيلة نتيجة تسطيح العقول، وسادت العنصرية نتيجة انعدام الثقافة، وطفت "الفشخرة" والتباهي بسبب قلة التعليم، وانعدم الضمير بسبب افتقاد الجد وانتشار الغش، وشاع التشدد نظرًا لتراجع الوسطية وإفساح المجال لجماعات المصالح، وكسدت الصناعة وعم الفساد والبيروقراطية بما كسبت أيدي الناس، وانقرض الذوق العام بسبب ضعف المؤسسات التعليمية والثقافية وسلبية القائمين عليها وسطحيتهم وزال وجود القدوة الحسنة، وضعف التناصح وعدم الاهتمام بأصول الأدب والتربية والأخلاق.

    صار الناس في بلادي صنفين، منهم من غطـّى سوء تفكيره على عينيه فصارت اللامبالاة ومخاطبة الآخرين بالجهل والفتوى بدون علم والتشدد للرأي والتمسك به سبيله ومنهجه، ومنهم من حصر أناقته في مظهره وترك فساحة قلبه وفصاحة لسانه ورجاحة عقله تحكهما ثقافة الخواء والأموال فلا هو ذو رأي رشيد ولا أفسح مجالًا لمن دونه ليستشيره، وظن بما يمتلكه أنه بكل شيء عليم قدير.

    كم من ممالك وإمبراطوريات أُهلكت رغم ثرائها، وكم من عقول تميزت وسادت وحكمت برجاحة العقل والعلم والمعرفة، فلا سبيل لقبيلتنا غير العلم والعمل به من أجل الريادة والسيادة إن لم نرد أن يأفل ويستتر ذِكرها بين الأمم.

    إعلان

    إعلان

    إعلان