الذي انحنى لإطعام الشعب !!

الذي انحنى لإطعام الشعب !!

عصام بدوى
09:00 م الأحد 10 سبتمبر 2017

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

مرَّ عيد الفلاح الخامس والستون، والذي يوافق 9 سبتمبر من كل عام، دون أي احتفال بتلك المهنة، وصاحبها، الذي ينحني طواعية تحت الشمس الحارقة من أجل إطعام الشعب.

فقد اعتاد السياسيّون تذكّر تلك الشريحة، التي تقدر بأكثر من 15 مليون فلاح فقط قبل انتخابات البرلمان، والنظر إليها على كوْنها مجرَّد أصوات في عداد صناديق الانتخابات، فمتى بدأتْ الحملات الانتخابية، يبدأ معها موسم الخداع والوعود الواهية لتلك الشريحة، التي كانت وما زالت قوة مؤثرة في نتيجة تلك الانتخابات.

ورغم اعتياد الفلاح على تلك الخديعة الموسمية، والتي تنتهي بإعلان النتيجة دون تحقيق أي من تلك الوعود الصادرة عن مرشحي البرلمان، إلا أنه لم يقاطع قط أي نوع من الانتخابات، رئاسية كانت أو برلمانية أو حتى المحليات.

ولا عجب في ذلك، فالفلاح المصري صاحب أقدم مهنة عرفها التاريخ، لم يكل ولم يمل في أداء واجبه تجاه الوطن على مرِّ العصور، سواء عصور العبودية والسخرة والاستبداد، مرورًا بالتهميش، وانتهاءً بقرارات حكومية ظلمته، ورفعت من أسعار مستلزماته الزراعية، وعدم توفير الأدوية والأمصال لحيواناته، بل ظل يعمل حتى دون إيجاد نقابة أو مظلة شرعية تحميه هو وأولاده من بعده، ودون أي معاش لا سيّما معاش السادات، الذي يُقدر بــ 70 جنيهًا.

وليس هذا فقط، بل ظل يعمل دون أي تأمين صحي له أو لأولاده، وتركته الدولة فريسة لبعض الكيانات الخاصة، التي برعت في المتاجرة بآلامه وأحلامه، والحصول على امتيازات باسمه، لصالح أصحابها، إلا ما رحم ربي.

كيانات خدعته كما خدعهم المتشدقون لدخول البرلمان، وغيرهم من المسئولين، الذين اعتلوا المناصب الوزارية من أجل الدفاع عن تلك الشريحة وما ينتجونه من محاصيل زراعية، تساهم فيما يقرب من 60 مليار جنيه سنويًّا كدخل لموازنة الدولة، تلك الكيانات التي حصلت على أراضٍ ومستلزمات إنتاج زراعي، ليتم في النهاية بيعها والمتاجرة فيها بدلًا من طرحها للفلاحين المشتركين في تلك الكيانات، إضافة إلى التلاعب باشتراكات الفلاحين السنوية واستغلالها في عمل مشاريع خاصة تخدم فقط أصحاب تلك الكيانات.. كوارث وعمليات نصب بالآلاف نتيجة عدم اهتمام الدولة بتلك الشريحة، التي تعتبر من أكبر، ومن أهم شرائح الطبقة العاملة في مصر.. مصر التى خُلقت لتكون سلة غذاء الأرض.. مصر التي كانت تزرع والعالم يأكل.

وأتعجب من دولة تحتفل سنويا وبكل اجتهاد بثورة يوليو، وفي الوقت نفسه تتجاهل الاحتفال بعيد الفلاح.. عيد الفلاح الذي يُوافق إصدار الزعيم الراحل جمال عبد الناصر لقانون الإصلاح الزراعي، إحياءً لذكرى وقوف ابن محافظة الشرقية الزعيم أحمد عرابي في مواجهة ظلم الخديوي توفيق عام 1881، ورده عليه بعبارته الشهيرة "لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا أو عبيدًا".

كيف نتجاهل الفلاح، أحد رموز الشخصية المصرية، والمعروف عنه ارتباطه بأرضه ودفاعه عن حقه، والذي جسدتْ الملاحم كيف كان محركًا للثورات الاجتماعية، ونتذكّر هنا عندما قام الفلاحون بالإضراب عن العمل بنظام السخرة، أثناء حفر قناة السويس في 1862، بسبب عدم إعطائهم أجورًا لعملهم وسوء أحوالهم المعيشية، مما اضطر المسئولين عن حفر القناة إلى تحديد أجر للفلاحين، وتحسين معيشتهم نسبيًا، وتوفير مياه الشرب لهم، وحتى أثناء ثورة 1919 تكاتف فلاحو زفتى في تكوين ما سمي بجمهورية زفتى، حيث أعلن الجميع الاستقلال عن السلطة وشكلوا مجلسًا وطنيًا.

كل هذا التاريخ لم يشفع للفلاح لدى الحكومة الحالية، كي تحتفي به، بل إنها وعلى مدار العامين الماضيين، اتخذت حفنة من القرارات التي كانت بمثابة الأحجار الثقيلة التي تقع على الإنسان فجأة، وكانت صادمة بالنسبة له، كزيادة أسعار الأسمدة المدعمة تحقيقًا لشريحة صناعها، والتي تحمل فاتورتها فقط الفلاح والمواطن من جراء تسببها في رفع أسعار كافة المنتجات الزراعية، إضافة إلى خفض الدعم عن السولار ضمن شروط صندوق النقد الدولي في رفع الدعم عن المحروقات بسبب القرض الذي مُنح لمصر على شرائح بإجمالي 12.5 مليار دولار.. السولار الذي يعتبر وقود الفلاح، والذي تعمل به طلمبات الري، ومعدات التدفئة في مزارع الدواجن، ووسائل نقل المحاصيل.

بل الأغرب من ذلك، اتجاه بنك الائتمان والتنمية الزراعي “البنك الزراعي حاليًا” -اسم على غير مسمى- بإقراض الفلاح قروضًا مالية بفائدة مرتفعة لقيامه بزراعة المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والذرة والقطن، مقارنة بفائدة أقل لقروض زراعة الفراولة والكنتالوب واللب.. سياسة وقرارات زراعية تدعو لوقوع مصر فريسة لمن تستورد منهم محاصيلها الاستراتيجية وغذاءها، بحجة الاتجاه للتصدير والحاجة الملحة للنقد الأجنبي.

وأخيرا، أتعشم أن تهتم الحكومة بالفلاح المصري، وألا تترك مناسبة إلا وتحتفي بهذا الفلاح، وأن تخرج علينا بقرارات مدروسة تُحفِّزه لا تُنفِّره من الإنتاج، وبذل المزيد من العطاء، فالأكل والشرب مسألة أمن قومي، قرارات لا تدعو لانقراضه، ونضطر في النهاية إلى استيراده من الصين، شأنه شأن غيره.

ولا أجد أجمل من كلمات بيرم التونسي في وصف حال الفلاح لأختم بها حديثي:
ليه تهدمونــي وأنا اللى عزّكم باني
أنا اللي فوق جسمكم قطني وكتاني
عيلتي في يوم دفنتني مالقتــش أكفاني.

إعلان

إعلان

إعلان