• في ذكرى منى.. أين أنتِ يا أمي؟

    في ذكرى منى.. أين أنتِ يا أمي؟

    فتحي سليمان
    08:52 م الأربعاء 30 أغسطس 2017

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    الشمس ترسل أشعّتها التي تتدلى باستحياء عبر سلسلة جبال وعرة تحيط بوادٍ هو الأكثر اكتظاظًا على مستوى العالم في تلك الأثناء، الكل يسير في مجموعات منتظمة مألوفة متجانسة.. حسب اللغة واللون والجنسية.. الجميع ينصهر في خط سير واحد وكلهم يهمهمون بصوت واحد وقلوبهم تنشد هدفًا واحدًا.. لا شيء يجري على ألسنتهم غير ذكر الإله الواحد:

    "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك".

    كانوا وكنا وكنت واحدًا منهم وبينما نسير على يميني أمي تجاورنا صديقتها الحاجة منى سودانية الجنسية والحاجة هدى الجزائرية وزوجيْهما حاملين ما تبقَّى معنا في رحلة العودة من مزدلفة وفي طريقنا لرمي جمرة العقبة الكبرى في وادي منى ذي المرتفعات والعروجات الممتدة عبر نحو 3 كيلو مترات.

    وفيما نحن كذلك كانت الساعة تشير إلى التاسعة صباح يوم النحر 10 ذي الحجة الموافق 24 سبتمبر 2015.. الجميع يتجه صَوْب رمي جمرات العقبة الأولى.. الازدحام يتزايد شيئًا فشيئًا.. حالة من الهرج وأصوات صفارات سيارات الإسعاف تدوي في كل جانب على غير العادة طيلة الأيام السابقة، ارتفاع كثافة الأعداد حال الاقتراب.. تداخل مُفاجئ لمئات بل آلاف الحجاج عبر شارع 204 وشارع الملك خالد وجسر الأمير فيصل.. تدافع وتزاحم بقوة.. وفجأة انفلتت يد أمي التي تمسك بيدي ولم أجدها في كل الدوائر المحيطة بي.. فتَّشتُ عنها بين وجوه الحجيج.. بحثت في كل مكان.. أين أنتِ يا أمي؟

    لم أدرِ حينها ماذا يحدث وما سر هذا الازدحام والتدافع، وخلنا أنه شيء طبيعي يحدث نتيجة كثرة عدد الأفواج، وبينما أنا في حالة من الرعب على فقدان أمي التي اختفت تمامًا وذابت بين الحاضرين، كل الشوارع مغلقة من ناحية الأمام أشارت لنا دوريات أمنية سعودية بالاتجاه ناحية طريق آخر للعبور.

    توجهت لرمي الجمرات، ونبضي يتسارع هلعًا لفقدان الحبيبة، أين هي تلك المسكينة.. كيف ستتصرف في ذلك الوادي البعيد وهي لم تخرج قبل ذلك أبعد من قرية مجاورة لقريتنا في الصعيد حيث منزل شقيقتي الكُبرى.. كيف سأجدها بين كل هذه الملايين وهل ستعود بسلام إلى مخيمنا على قمة جبل يرتفع تدريجياً نحو 500 متر عبر طرق متعرجة مزدحمة مليئة متشابهة.

    عُدتُ من العقبة عبر الجسر إلى غرفة الكشافة السعودية لمساعدتي في معرفة طريق المخيم فجميع الطرق متشابهة ومعظمها مغلقة وبينما أنا في طريقي إلى هناك التقيتُ السيدة الجزائرية التي اختفتْ مع أمي.. سلمت عليها بلهفة.. وبشوق الحبيب لمفقودته سألتها: أين هي؟.. لم تجب. فقط طلبت بعض المياه والتقطتْ أنفاسها المتقطعة وتحت وهج الشمس التي ارتفعت فوق الرؤوس في الثانية ظهرًا حملت عنها حقيبتها وسرنا معًا ناحية المخيم.

     

    كل الدوريات الأمنية مشغولة بشيء ليس مفهومًا ولا تجيب عن أي أسئلة.. فقط تشير لك بالسير وعدم التوقف.. سيارات الإسعاف تنتشر في جميع الشوارع كخلية نحل.. شيء ما غامضٌ لا نعرف شيئًا.. غير أن هاتفي بدأ يدق من رقم مصري بصورة غير معتادة منذ قدومي لآداء مناسك الفريضة وإذ به صديقي محمد الطماوي الصحفي بالأهرام.

    -"أيوه يا محمد خير

    -أنت فين يا فتحي بتصل عليك من بدري جدًا مش بترد ليه؟!

    -معلش يامحمد أنا في دوامة والله والحاجة تاهت مني مش لاقيها هنا.

    -طيب طمني عليكم إيه الأخبار عندك إحنا سامعين إن فيه حادثة كبيرة جدًّا في منى وناس كتير ماتت ربنا يطمنك على الحاجة، وهكلمك تاني".

    انخلع قلبي من بين ضلوعي تزامنًا مع اتصال صديقي وتلاه اتصال ابن عمي وشقيقتي وخالي وأبي وكل أفراد العائلة وكل من عرفوا بمسألة الحادث عبر وسائل الإعلام.. ولا ردَّ لدي سوى أننا بخير وأن أمي بجواري لكنها متعبة من أثر السير وستحدثكم حالما تخف.

    وصلتُ برفقة السيدة الجزائرية إلى المُخيَّم في الرابعة والنصف عصرًا، وهناك وجدتها باسمة ضاحكة أعادت إلى قلبي النبض وإلى روحي الحياة وإلى نفسي الطمأنينة والسكون.

    رميت من فوق كتفي حقيبتي وحقيبة السيدة الجزائرية في مخيمها المقابل وألقيت كَلِّي وهمِّي في حضنها لتحدثني ببساطتها المعهودة وصفاء ابتسامتها وعذوبة صوتها: "رمينا الجمرات وجينا قبلكم إيه اللي أخَّركم كده؟".

    وبينما أنا كذلك ورأسي فوق كتفها لم أتمالك دموعي وقصصت عليها لحظات الرعب والخوف فأخبرتني أن زوج صديقتها منى ذهب ليبحث عنها لأنها لم تعدْ وأن الحاجة ثناء جارتها في غرفة الفندق ماتت، وتوالت الأنباء في تلك الليلة عن فقد بعض الحجاج ممن يبيتون معنا في المخيم ومقتلهم في حادث التدافع.

    حمدت الله وأثنيت عليه لأنني وجدتها آمنة صحيحة لكنني حزنت لفقدان بعض رفاق الرحلة المقدسة وعلمت في اليوم التالي بأن الخسائر كانت جسيمة نتيجة تعارض الحركة بين أفواج الحجيج في شارع 204 بتقاطعه مع شارع 223، ونتيجة ارتفاع درجات الحرارة التي ساهمت في سقوط مئات الضحايا فوق بعضهم ما أدَّى لمقتل نحو ألف حاج وإصابة مثلهم.

    الحادث كان أليمًا بامتياز وعلى قدر الفرحة بالتقاء الحبيبة تلك الأمانة التي حملتها معي وحملتني معها لأداء الفريضة كان الحزن حاضرًا بين أفراد البعثة بسبب الحادث الأكثر مأساوية منذ حادث تدافع 1990، وسرنا أنا وهي في صباح اليوم الثاني إلى مكة، كلانا يدور في رأسه سؤال يرفض البوح به: ماذا لو حدث السيناريو الأسوأ؟

    حفظ الله كل الحجيج وأعانهم على أداء المناسك الشَّاقَّة وعاون سلطات المملكة الراقية والأمن السعودي في إنجاح تلك المهمة الثقيلة التي تُكرِّس كل جهودها لإخراجها في أبهى صورة.. وأنقَذَ البيت الحرام والأرضَ المقدَّسة من كيد الكائدين وحقد الحاقدين.. وجمعنا الله وإياكم فوق عرفات نلبي دعوته ونرجو رضاه.. وكل عام وحضراتكم بخير.

    إعلان

    إعلان

    إعلان